253 مليون جنيه رقم وحده كفيل بأن يوقظ أي جهة رقابية من النوم ، فكيف إذا كان الحديث عن أموال تأمينات وحقوق عمال ومستحقات منسوبة إلى الدولة؟ هنا لا نتحدث عن فاتورة مطعم ولا حساب شركة خاصة ، نحن أمام أموال يفترض أن تدخل خزينة الجهة صاحبة الحق، وأن يعرف المواطن أين ذهبت، ولماذا لم تُحصّل إن كانت مستحقة بالفعل
الملف الذي بين أيدينا يضع اسم شركة «سيجما» في دائرة من التساؤلات، ويربطها بمديونية يُقال إنها تبلغ 253 مليون جنيه لصالح الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي. وأنا لا أقول إن المبلغ ثابت بحكم قضائي نهائي، ولا أتهم أحدًا بجريمة، لكنني أسأل السؤال الذي يجب أن تسأله كل جهة مسؤولة: هل هذا الرقم صحيح أم لا؟ وإذا كان صحيحا، فما الذي تم تحصيله؟ وإذا كان هناك اعتراض أو نزاع قضائي، فأين انتهى؟ ومنذ متى أصبحت مستحقات الدولة تنتظر كل هذا الوقت؟
والأخطر أن الأمر، بحسب شكاوى مئات العاملين بالشركة لم يتوقف عند المديونية، وإنما امتد إلى حقوقهم التأمينية، حيث يقول العاملون إن تأخر سداد المستحقات التأمينية أدى إلى حرمانهم من الاستفادة من خدمات التأمين الصحي والعلاج ، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: ما ذنب العامل الذي ينتظر أن يحصل على حقه في العلاج والتأمين، بينما تتعطل مستحقات يفترض أن تحميه وأسرته؟ هذه الشكاوى تحتاج إلى فحص رسمي عاجل، لأن حقوق العاملين مرتبطة بحياتهم وصحتهم ومستقبل أسرهم
والأهم من ذلك كله.. هل يستطيع المواطن العادي أن يتأخر في سداد حق للدولة بمئات الملايين دون أن تتحرك الأجهزة المعنية؟ فلماذا لا نرى الصورة كاملة عندما يتعلق الأمر بشخصية عامة ورجل أعمال ورئيس حزب ؟ هل العلاقات والنفوذ يمكن أن يصنعا منطقة آمنة لا تصل إليها يد الرقابة؟ هذه ليست اتهامات.. هذه أسئلة مشروعة لا يملك أحد مصادرتها.
ومن هنا أقول للرئيس عبدالفتاح السيسي: افتحوا هذا الملف واتركوا المستندات تتحدث ، أطالب بتوجيه هيئة الرقابة الإدارية إلى الفحص والتحري في كل ما ورد بهذا الملف، ومراجعة أصل المديونية وقيمتها والفترات التي تخصها، وموقف اشتراكات العاملين، وما تم توريده وما لم يتم توريده، ومراجعة المحاضر والقضايا والقرارات والإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة، وصولًا إلى الحقيقة الكاملة.
فإذا كانت الـ253 مليون جنيه غير مستحقة، فليخرج علينا المسؤول المختص ويقول ذلك صراحة، وينتهي الكلام. وإذا كانت مستحقة، فلتتحرك الدولة لتحصيلها. وإذا كشف الفحص عن تقصير أو إهمال أو تعطيل من أي مسؤول، فليتحمل مسؤوليته أيا كان اسمه أو موقعه
وأقولها بوضوح: القضية ليست قضية السيد البدوي ، القضية قضية دولة
الدولة التي تطالب المواطن الصغير بحقوقها لا يجوز أن تتردد في تحصيل حقوقها من الكبير. والدولة التي تقول إن لا أحد فوق القانون، مطالبة بأن تثبت ذلك بالفعل، لا بالتصريحات
أما السؤال الذي سيظل مطروحا حتى تظهر الحقيقة فهو: 253 مليون جنيه.. أين ذهبت؟ ومن عطّل تحصيلها إن كانت مستحقة؟ وهل هناك من يعتقد أن النفوذ يمكن أن يكون أقوى من القانون؟
نحن لا نطلب رأس أحد ولا نريد ظلم أحد نريد فقط أن تفتح الرقابة الملف، وأن تقول كلمتها ، فإن كان البدوي بريئا من هذه الوقائع، فليكن أول المستفيدين من كشف الحقيقة ، وإن كانت للدولة أموال مستحقة فلتأخذ الدولة حقها
وفي الحالتين.. القانون هو الحكم.

اترك تعليقاً