بين الإنسانية والواقع الاقتصادي.. “مشروع مكافحة الحفاء” في عهد الملك فاروق تحت مجهر التاريخ

 

كتبت سحر مهني

 

أثار “مشروع الحفاء” في عهد الملك فاروق جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، حيث تباينت الآراء بين من يراه إنجازاً تاريخياً قضى على ظاهرة المشي حفاة، وبين من يختزله في إطار الدعاية السياسية. إلا أن العودة إلى الصحف والوثائق التاريخية تكشف عن الحقيقة الكاملة لهذه الحقبة، وتضع الحملة في سياقها الاجتماعي والاقتصادي الصحيح.

جذور الأزمة: ظاهرة فرضها الفقر الشديد

تشير الإحصاءات والوثائق الرسمية في أربعينيات القرن العشرين إلى أن ظاهرة “الحفاء” كانت عرضاً لمرض اقتصادي أعمق؛ حيث كان ملايين المصريين، لا سيما في القرى والنجوع بالريف، يعيشون في أوضاع معيشية بالغة الصعوبة جراء انخفاض مستوى المعيشة والبطالة.

ولم تكن الظاهرة مجرد مشكلة مظهر عام، بل تحولت إلى أزمة صحية تؤرق الدولة، نظراً لأن المشي حافياً كان سبباً رئيسياً في تفشي الأمراض الطفيلية والأوبئة بين طبقات الفلاحين والطبقات الكادحة.

حراك مجتمعي تحت شعار “مكافحة الحفاء”

أمام هذا الوضع المتفاقم، تحركت الحكومة المصرية آنذاك بالتكامل مع الرأي العام، لتنطلق دعوات وحملات كبرى أطلق عليها اسم “مكافحة الحفاء”، ولم تقتصر الجهود على الجانب الرسمي فقط، بل شهدت تضافراً واسعاً بين ثلاثة أطراف رئيسية:

الحكومة المصرية: عبر تقديم الدعم اللوجستي والتنظيمي.

الجمعيات الخيرية: التي تولت عمليات الحصر والتوزيع الميداني.

رجال الأعمال والمؤسسات: من خلال تقديم التبرعات المادية والعينية.

ولم يقف المشروع عند حدود توزيع الأحذية المجانية على الأسر الأكثر احتياجاً، بل امتد ليشمل محاولات هيكلية مثل إنشاء ورش ومصانع صغيرة لإنتاج أحذية رخيصة الثمن تناسب القدرة الشرائية للمواطنين، وتشجيع حملات التبرع الموجهة لأطفال المدارس والفقراء.

تقييم التجربة: مسكنات لم تعالج الجذور

بالرغم من نجاح الحملة في الوصول إلى آلاف المحتاجين وتخفيف وطأة المعاناة عنهم — وهو ما وثقته الصحف الصادرة في تلك الفترة عبر نشر أخبار وقوائم التوزيع — إلا أن التاريخ يؤكد أن المشروع لم ينجح في استئصال الظاهرة من جذورها.

ويُرجع المؤرخون عدم حسم المعركة ضد “الحفاء” إلى أن المبادرة ركزت على علاج النتيجة (عدم امتلاك حذاء) دون القدرة على علاج السبب الجذري والعميق المتمثل في الفقر البنيوي وتدني الأجور، وهي الأوضاع التي ظلت ملقية بظلالها على الريف المصري حتى قيام ثورة يوليو 1952.

خلاصة القول

تؤكد الشواهد التاريخية أن وصف “مشروع الحفاء” بالإنجاز الشامل الذي أنهى الأزمة ينطوي على عدم دقة، كما أن اختزاله كدعاية سياسية مجردة يعد إجحافاً بحق جهود اجتماعية حقيقية. والحقيقة الثابتة أنه كان مجموعة من الحملات الاجتماعية والخيرية المدعومة حكومياً، نجحت في تقديم إغاثة إنسانية مؤقتة لقطاع عريض من البسطاء، لكنها وقفت عاجزة أمام طاحونة الظروف الاقتصادية الصعبة التي عاشتها مصر في تلك الحقبة.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *