كتبت سحر مهني
يُعد موضوع الطلاق من أكثر القضايا الأسرية والاجتماعية التي تُثار حولها النقاشات في المجتمعات العربية والإسلامية. وغالباً ما تتردد عبارة “إن أبغض الحلال عند الله الطلاق” على الألسنة وفي الدراما والخطب العامة كقاعدة شرعية مطلقة، مما جعل الكثيرين يعتقدون أنها آية قرآنية، في حين أن الحقيقة الشرعية والقرآنية تقدم إطاراً أوسع وأكثر مرونة وعمقاً لهذه المسألة.
1. حقيقة عبارة “أبغض الحلال” في الميزان الشرعي
ليست آية قرآنية: لا وجود لهذه العبارة في أي سورة من سور القرآن الكريم.
حديث ضعيف السند: العبارة رُويت كحديث نبوي في بعض السنن (مثل سنن أبي داود وابن ماجه)، لكن أئمة ومحققي علم الحديث (مثل الإمام البخاري، والبيقهي، والألباني) أكدوا أن الحديث ضعيف من حيث السند ولا يصح رفعه للنبي ﷺ، بل إن بعض العلماء أشاروا إلى أن وصف الشيء بأنه “حلال” وبأنه “مبغوض من الله” في آن واحد يحمل تعارضاً ظاهرياً، لأن الله لا يبغض ما أباحه لعباده لتفريج كرباتهم.
2. الإطار القرآني للطلاق: تشريع للحماية لا للمنع
عند مراجعة الآيات القرآنية التي نظمت العلاقة الزوجية، نجد أن القرآن الكريم وضع منظومة متكاملة تنظر إلى الطلاق كـ “علاج واضطرار” وليس كـ “جريمة أو بغضاء”. ويمكن تلخيص الفلسفة القرآنية للطلاق في النقاط التالية:
تشريع سورة كاملة باسم “الطلاق”: أفرد الله عز وجل سورة كاملة في القرآن لتنظيم أحكام الطلاق، إلى جانب آيات مفصلة في سورة البقرة والنساء، مما يدل على أهمية هذا التشريع لحفظ حقوق الطرفين (الرجل والمرأة) والأطفال.
بوابة لتفريج الكرب (التسريح بإحسان): يقول الله تعالى في سورة البقرة: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. فالقرآن جعل الفراق راقياً ومبنياً على “الإحسان” والفضل، وليس على الخصومة والشجار.
وعد بالخلف والسعة: على عكس النظرة السوداوية للطلاق، يفتح القرآن باب الأمل للطرفين إذا استعصت الحلول، حيث يقول الله تعالى في سورة النساء: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا}، وهو دليل على أن الطلاق قد يكون بداية لحياة أفضل للطرفين.
3. خطوات استباقية قبل الوصول للطلاق
لم يترك القرآن الكريم الحياة الزوجية تنهار عند أول عقبة، بل وضع “بروتوكولاً” تدريجياً لإنقاذ الأسرة قبل اتخاذ القرار النهائي:
الوعظ والتوجيه: الحوار والكلام الطيب.
الهجر في المضاجع: تعبير صامت عن العتاب لتراجع كل ضاحية مواقفها.
التحكيم العائلي: في حال تفاقم الخلاف، يأمر القرآن بتدخل حكماء من الأهل، حيث يقول تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}.
خلاصة فكرية
الإسلام لا يشجع على هدم الأسر، وحثَّ على الصبر وتحمل الهنات والهفوات بين الزوجين ({فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا})، ولكن إذا تحولت الحياة الزوجية إلى مصدر للضرر النفسي أو البدني، ولم يعد هناك مجال لإقامة “حدود الله”، يصبح الطلاق حلاً مشروعاً ومباحاً، بل ومستحباً في بعض الأحيان لحماية كرامة الإنسان، دون أن يكون مصحوباً بنظرة دونية أو “بغض” تشريعي.

اترك تعليقاً