ملياردير الصدفة.. الذي رحل باكيًا وترك إرثًا من العطاء.. كيف حوّل “كولين وير” أموال اليانصيب إلى طوق نجاة لفقراء اسكتلندا ومشجعي كرة القدم؟

 

كتبت سحر مهني

 

في عالمٍ غالبًا ما تغير فيه الثروات المفاجئة نفوس أصحابها، تجسدت في مدينة “لارجز” الساحلية بأسكتلندا قصة استثنائية لرجل أثبت أن الثروة الحقيقية لا تُقاس بما يكتنزه المرء في حساباته البنكية، بل بما يتركه من أثر في حياة الآخرين. إنه “كولين وير”، المصور التلفزيوني البسيط الذي تحول إلى أحد أكبر المحسنين في تاريخ بريطانيا، تاركًا خلفه إرثًا من الكرم بات يُدرس كنموذج إنساني فريد.

من البساطة إلى قمة الثراء

بدأت التحول الدراماتيكي في حياة كولين وزوجته “كريستين”، الممرضة النفسية السابقة، في ليلة 15 يوليو من عام 2011، حينما ابتسم لهما الحظ ليفوزا بالجائزة الكبرى في سحب “يورو مليونز” (EuroMillions)، والتي بلغت قيمتها آنذاك أكثر من 161 مليون جنيه إسترليني، ليصبحا في ليلة وضحاها أكبر فائزين باليانصيب في تاريخ المملكة المتحدة في ذلك الوقت.

ورغم أن “وير” اشترى عقارات فاخرة وسيارات فخمة وخيول سباق، إلا أن بريق الملايين لم ينجح في طمس هويته البسيطة أو ينسيه جذوره وأبناء مجتمعه.

مواقف إنسانية تخطت حدود المألوف

تجلت أسمى معاني العطاء لدى “وير” في قراره بعدم بيع منزله القديم البسيط؛ وبدلًا من ذلك، قام بإهدائه بالكامل وبشكل قانوني لجارته، وهي أم شابة كانت تكافح بمفردها لتربية أطفالها، دون تقاضي أي مقابل أو فرض أي شروط، في خطوة أثارت إعجاب واحترام وسائل الإعلام البريطانية.

ولم يتوقف قطار عطائه عند هذا الحد، بل امتد ليشمل:

دعم العائلة والأصدقاء: تخصيص ملايين الجنيهات لمساعدتهم في شراء منازل وتأمين مستقبلهم.

المبادرات الطبية والإنسانية: التكفل بتركيب طرف صناعي متطور للطفل “كيرن ماكسويل” الذي فقد ساقه بسبب نوع نادر من السرطان.

رعاية المواهب والخير: تأسيس صندوق خيري لدعم الفنانين والرياضيين الشباب، إلى جانب تمويل مشاريع صحية وثقافية ورعاية الحيوانات.

الصفقة الأسطورية: النادي ملك للمشجعين

لكن المحطة الأبرز التي خلدت اسم كولين وير في تاريخ الرياضة البريطانية، كانت حبه الجنوني لناديه المفضل لكرة القدم “بارتيك ثيسل” (Partick Thistle). فبعد سنوات من ضخ ملايين الجنيهات لإنقاذ النادي من شبح الإفلاس والديون، قام “وير” بخطوة غير مسبوقة في عالم الساحرة المستديرة؛ حيث اشترى الحصة المسيطرة في النادي (55%)، ليعلن فورًا نقل ملكية هذه الأسهم مجانًا وبالكامل إلى رابطة مشجعي النادي، ليكون النادي ملكًا خالصًا لجماهيره إلى الأبد.

وكان تصريحه الشهير الذي تناقلته الجماهير بحفاوة:

“يتحدث الجميع دائمًا عن أن هذا ناديهم… والآن سيصبح كذلك فعلًا”.

رحيل مفاجئ وتكريم تاريخي

لم يمهل القدر “كولين وير” ليرى ثمار خطوته التاريخية طويلاً، إذ غيبه الموت بعد 35 يومًا فقط من إتمام نقل ملكية النادي، عن عمر ناهز 71 عامًا إثر أزمة بطقس صحي مفاجئ.

وفي مشهد جنائزي مهيب يعكس حجم الامتنان، توقفت سيارة نقل جثمان الراحل أمام ملعب النادي، حيث اصطف اللاعبون، الأجهزة الفنية، والآلاف من المشجعين في ممر شرفي، مودعين إياه بالتصفيق الحار والدموع، فيما تزينت بوابات الملعب بعبارة لخصت مكانته في قلوبهم: “كولين وير… واحد منا”.

تُشير التقارير إلى أن وير أنفق ما يقرب من 40 مليون جنيه إسترليني من ثروته في وجوه الخير والدعم المجتمعي خلال سنوات قليلة، مؤكدًا برحيله أن الأموال تفنى، وأن السيرة الطيبة والأثر الإنساني هما الباقيان.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *