حين يغيب السند البشري.. كيف تولد القوة من رحم العزلة؟

 

بقلم/ سحر مهني

 

في غمرة تفاصيل الحياة المتسارعة، وتطلعاتنا الفطرية نحو الأمان، نعتاد غالبًا على البحث عن الطمأنينة في وجوه من حولنا. نتوكأ على كتف أب، ونستظل بظل أخ، ونرجو مودة زوج، وننتظر بر ابن. لكن، ماذا لو تبدلت الأحوال؟ ماذا لو غاب الأب أو الأخ، أو خذل الزوج، أو قصر الابن في مسيرة الحياة؟

هنا، يقع القلب في فخ “وهم السقوط”، وتظن المرأة في لحظة ضعف إنساني أن غياب السند البشري يعني بالضرورة النهاية والانهيار بلا نهوض. غير أن الحقيقة التي تغفل عنها الكثيرات هي أن أشد الأوهام ثقلاً على الروح هو تعليق الأمان المطلق بالبشر.

الالتفات إلى السماء: دروس من كتاب لا يأتيه الباطل

إذا تصفحنا أوراق التاريخ ومحكم التنزيل، نجد أن القرآن الكريم لا يقدم لنا مجرد قصص للعبرة، بل يرسم منهجًا متكاملاً في الدعم والسند الإلهي للمرأة؛ خاصة تلك التي انقطعت بها الأسباب الأرضية وبدت مستضعفة لا حيلة لها في حسابات المادة.

هاجر عليها السلام.. عندما يفيض زمزم من قلب العدم:

تُترك امرأة وحيدة في وادٍ قاحل، غير ذي زرع، بلا ماء ولا أنيس، ومعها رضيع لا يملك من أمره شيئًا. بحسابات المنطق البشري، كانت تلك معادلة للموت البطيء. لكن يقينها صاغ سؤالاً غيّر مجرى التاريخ: “آلله أمرك بهذا؟”، فلما جاء الجواب بالإيجاب، نطقت باليقين الأبدي: “إذن لا يضيعنا”. لم تكن معها قوة بشرية، لكن كان سندها الله، ففجر لها زمزم من موضع أبعد ما يكون عن الحسابات، ليتحول الوادي الجاف إلى منبع للحياة ومقصد للملايين حتى يومنا هذا.

أم موسى عليه السلام.. قلب أم في مواجهة اليم:

أي طاقة بشرية يمكنها أن تتحمل إلقاء رضيع في النهر هربًا من بطش الطغاة؟ لو اعتمدت أم موسى على الحسابات المادية لانهارت شأنها شأن أي أم. لكنها علقت قلبها بوعد الله وحبله المتين. النتيجة؟ عاد إليها وليدها آمناً، وتكحل عينها برؤيته، بل وجعله الله من المرسلين، وخلد قصتها آيةً تُتلى إلى يوم القيامة لتعلم البشرية معنى “الثقة بالوعد الإلهي”.

مريم عليها السلام.. طمأنينة وسط زلزال الاتهام:

واجهت السيدة مريم ألم الولادة، ووحدة الطريق، وثقل الاتهام الذي يهدد الطهر والعرض، حتى تمنت الموت من شدة الكرب: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾. ومع ذلك، لم يتركها الله. أنزل عليها السكينة، رزقها بلا عناء، وأنطق وليدها في المهد صبيًا ليبرئ ساحتها، وجعلها آية في الطهر والتمكين والرفعة.

فلسفة العزلة.. إعادة تعريف الأمان

في كل هذه المشاهد الخالدة، يتكرر معنى جوهري واحد: لم تكن النجاة يوماً مرتبطة بوجود البشر، بل بحضور المعية الإلهية.

إن غياب السند البشري في حياتكِ ليس إشارة للكسر أو الضياع، بل قد يكون خطة ربانية لـ “عزلكِ” عن الأسباب الزائفة، وإعادتكِ إلى المعنى الأصدق والأعمق للأمان. الله يريد لقلبكِ ألا يستند إلا إليه، وألا يطلب القوة إلا منه. من كان الله معه فمن عليه؟ ومن توكل على الحي الذي لا يموت، فما أسهل العواصف أمام يقينه!

﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾

كلمة أخيرة

السند الحقيقي، أيتها الغالية، ليس ذراع إنسان يُرخي قبضته متى شاءت الظروف، ولا كتفًا بشريًا قد تنهكه الأيام. السند الحقيقي هو ذلك اليقين النابض في صدرك؛ الذي يعرف بلا شك ولا ريب أن الله لا يضيع من لجأ إليه، ولا يترك من استند إلى باب عطفه، ولا يخيب من أحسن الظن به.

فإذا غابوا جميعًا.. تذكري دائمًا: أنتِ لستِ بلا سند.. أنتِ في رعاية الله.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *