إِنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَشَاهِدَ تَمُرُّ أَمَامَ أَعْيُنِنَا، وَلَا هِيَ مَحْضُ صُوَرٍ تَلْتَقِطُهَا عَدَسَاتُ الْعَيْنِ لِتَنْقُلَهَا إِلَى الدِّمَاغِ؛ بَلْ هِيَ عُمْقٌ يَتَجَاوَزُ السَّطْحَ، وَمَعْنًى يَفُوقُ الْمَبْنَى. وَمِنْ هُنَا يَبْرُزُ التَّسَاؤُلُ الْأَزَلِيُّ: هَلْ كُلُّ مَنْ مَلَكَ بَصَراً مَلَكَ بَصِيرَةً؟ وَهَلْ تِلْكَ الْجَارِحَةُ الصَّغِيرَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ فِي مَحَاجِرِ الْوُجُوهِ هِيَ الْمِعْيَارُ الْحَقِيقِيُّ لِلْإِدْرَاكِ؟ إِنَّ الْإِجَابَةَ الْحَصِيفَةَ تَسْتَوْجِبُ مِنَّا الْغَوْصَ فِي مَكْنُونَاتِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، لِنَكْتَشِفَ أَنَّ “الْبَصِيرَةَ” هِيَ الْقَائِدُ الْخَفِيُّ، وَأَنَّ “الْبَصَرَ” لَيْسَ إِلَّا تَبَعاً لَهَا، فَالْبَصَرُ يَرَى الظَّوَاهِرَ، أَمَّا الْبَصِيرَةُ فَتَنْفُذُ إِلَى الْبَوَاطِنِ، وَالْبَصَرُ يَحُدُّهُ الْأُفُقُ، بَيْنَمَا الْبَصِيرَةُ لَا يَحُدُّهَا زَمَانٌ وَلَا مَكَانٌ.
إِنَّ الْبَصِيرَةَ فِي جَوْهَرِهَا هِيَ قُوَّةُ الْقَلْبِ الْمُنَوَّرَةِ بِنُورِ الْحَقِّ، وَهِيَ تِلْكَ الْفِرَاسَةُ الصَّادِقَةُ الَّتِي تُمَيِّزُ بَيْنَ الْخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ، وَبَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالزَّيْفِ. لَقَدْ مَيَّزَ الْخَالِقُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيْنَ الْعَمَى الْعُضْوِيِّ وَالْعَمَى الْقَلْبِيِّ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ حِينَ قَالَ: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}. هَذِهِ الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ تُلَخِّصُ الْفَلْسَفَةَ الْوُجُودِيَّةَ لِلرُّؤْيَةِ؛ فَكَمْ مِنْ كَفِيفٍ بَصِيراً يَقُودُ أُمَّةً، وَكَمْ مِنْ مُبْصِرٍ أَعْمَى يَتَخَبَّطُ فِي دَيَاجِيرِ الضَّلَالِ. إِنَّ الْبَصِيرَةَ هِيَ النُّورُ الَّذِي يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيَرَى بِهِ مَا لَا تَرَاهُ الْعُيُونُ النَّاظِرَةُ، وَيَسْمَعُ بِهِ مَا لَا تَلْتَقِطُهُ الْآذَانُ السَّامِعَةُ.
عِنْدَمَا نَتَأَمَّلُ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ، نَجِدُ أَنَّ الْقَادَةَ الْعِظَامَ، وَالْمُفَكِّرِينَ النَّوَابِغَ، وَالْمُصْلِحِينَ الَّذِينَ غَيَّرُوا مَجْرَى التَّارِيخِ، لَمْ يَكُونُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَى مُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ لِلْأَحْدَاثِ، بَلْ كَانُوا يَمْتَلِكُونَ تِلْكَ “الرُّؤْيَةَ الثَّاقِبَةَ” الَّتِي تَقْرَأُ مَا بَيْنَ السُّطُورِ، وَتَتَوَقَّعُ مَا وَرَاءَ الْجِبَالِ. إِنَّ الْبَصِيرَةَ هِيَ الَّتِي جَعَلَتْ صَحَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصْمُدُونَ فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ، لِأَنَّ أَبْصَارَهُمْ كَانَتْ تَرَى الْأَعْدَاءَ وَسُيُوفَهُمْ، بَيْنَمَا بَصَائِرُهُمْ كَانَتْ تَرَى الْجَنَّةَ وَوُعُودَ اللَّهِ. هَذَا التَّمَايُزُ بَيْنَ الْبَصَرِ وَالْبَصِيرَةِ هِيَ الَّتِي تَصْنَعُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ الْمَادِّيِّ الَّذِي يَعِيشُ لِيَوْمِهِ، وَبَيْنَ الْإِنْسَانِ الرُّوحَانِيِّ الَّذِي يَعِيشُ لِأَبَدِيَّتِهِ.
فِي عَصْرِنَا الرَّاهِنِ، نَحْنُ نَعِيشُ فِي طُوفَانٍ مِنَ الصُّوَرِ وَالْمَشَاهِدِ. وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَالشَّاشَاتُ الْبَرَّاقَةُ، وَالْإِعْلَامُ الْمُوَجَّهُ، كُلُّهَا تَعْمَلُ عَلَى إِغْرَاقِ الْبَصَرِ بِتَفَاصِيلَ لَا تَنْتَهِي. وَلَكِنَّ الْخَطَرَ الْحَقِيقِيَّ يَكْمُنُ فِي أَنَّ هَذَا “الْإِسْرَافَ الْبَصَرِيَّ” قَدْ يُؤَدِّي إِلَى “تَصَحُّرِ الْبَصِيرَةِ”. فَكُلَّمَا انْشَغَلَ الْإِنْسَانُ بِزُخْرُفِ الْقَوْلِ وَزِينَةِ الْمَظَاهِرِ، فَقَدَ تَدْرِيجِيًّا قُدْرَتَهُ عَلَى النَّفَاذِ إِلَى جَوْهَرِ الْأَشْيَاءِ. إِنَّ الْبَصِيرَةَ تَحْتَاجُ إِلَى صَمْتٍ لِيَسْمَعَ الْقَلْبُ، وَإِلَى تَأَمُّلٍ لِيَرَى الْعَقْلُ، وَإِلَى تَقْوىً لِيُشْرِقَ الرُّوحُ. لِذَلِكَ، فَإِنَّ تَرْبِيَةَ الْبَصِيرَةِ هِيَ الْفَرِيضَةُ الْغَائِبَةُ فِي مَنَاهِجِنَا التَّرْبَوِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ.
لِنَتَسَاءَلْ: مَا الَّذِي يَجْعَلُ بَعْضَ النَّاسِ يَنْخَدِعُونَ بِالظَّوَاهِرِ الْبَرَّاقَةِ؟ إِنَّهُ فِقْدَانُ الْبَصِيرَةِ. فَالْبَصِيرَةُ هِيَ الْمِيزَانُ الَّذِي يَزِنُ بِهِ الْمَرْءُ الْقِيمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلْأُمُورِ. الرَّجُلُ الْبَصِيرُ لَا يَغُرُّهُ الْمَالُ الْحَرَامُ وَإِنْ كَثُرَ، لِأَنَّ بَصِيرَتَهُ تَرَى مَحْقَ الْبَرَكَةِ فِيهِ. وَالْمَرْأَةُ الْبَصِيرَةُ لَا تُغْوِيهَا الْمَوْضَاتُ الْعَابِرَةُ إِنْ كَانَتْ تَمَسُّ كَرَامَتَهَا، لِأَنَّ بَصِيرَتَهَا تَرَى جَمَالَ الْعِفَّةِ وَالْوَقَارِ. إِنَّ الْبَصِيرَةَ هِيَ حَائِطُ الصَّدِّ الْأَوَّلُ ضِدَّ الْفِتَنِ، وَهِيَ الْبَوْصَلَةُ الَّتِي تَهْدِي التَّائِهِينَ فِي بَحْرِ الْمُتَنَاقِضَاتِ.
وَمِنْ أَهَمِّ تَجَلِّيَاتِ الْبَصِيرَةِ هُوَ مَا يُعْرَفُ بِـ “الذَّكَاءِ الْوِجْدَانِيِّ” أَوْ “الْفِرَاسَةِ الْإِيمَانِيَّةِ”. هَذَا النُّورُ لَيْسَ ضَوْءاً فِيزْيَائِيًّا، بَلْ هُوَ شُعَاعٌ مَعْنَوِيٌّ يَخْتَرِقُ الْأَقْنِعَةَ الَّتِي يَرْتَدِيهَا النَّاسُ. فَكَمْ مِنْ كَلِمَاتٍ مَعْسُولَةٍ تُخْفِي خَلْفَهَا سُمُومًا نَاقِعَةً، لَا يَكْتَشِفُهَا إِلَّا أَهْلُ الْبَصِيرَةِ. وَكَمْ مِنْ مَوَاقِفَ تَبْدُو فِي ظَاهِرِهَا شَرًّا، وَيَحْمِلُ بَاطِنُهَا الْخَيْرَ الْعَمِيمَ، إِنَّ بِنَاءَ الْبَصِيرَةِ يَتَطَلَّبُ تَنْقِيَةَ الْمِرْآةِ الدَّاخِلِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ. فَالْقَلْبُ كَالْمِرْآةِ، إِذَا تَرَاكَمَ عَلَيْهَا صَدَأُ الذُّنُوبِ وَغُبَارُ الْغَفْلَةِ، لَمْ تَعُدْ تَعْكِسُ صُورَةَ الْحَقِيقَةِ كَمَا هِيَ. لِذَلِكَ، كَانَ الصَّالِحُونَ وَالْحُكَمَاءُ يَحْرِصُونَ عَلَى الْخَلْوَةِ وَالتَّفَكُّرِ وَالذِّكْرِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ هِيَ الَّتِي تَصْقُلُ الْبَصِيرَةَ وَتَجْعَلُهَا حَادَّةً كَالشَّفْرَةِ. إِنَّ الِانْغِمَاسَ الْكُلِّيَّ فِي الْمَادِّيَّاتِ يُمِيتُ الْحِسَّ الْمَعْنَوِيَّ، وَيَجْعَلُ الْإِنْسَانَ مُجَرَّدَ كَائِنٍ بَيُولُوجِيٍّ يَرَى بِيُولُوجِيًّا وَيُدْرِكُ مِيَكَانِيكِيًّا، فَيَفْقَدُ سِمَةَ “الْآدَمِيَّةِ” الَّتِي شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهَا، وَالَّتِي مَدَارُهَا “الْعَقْلُ الْمُبَصَّرُ”.
وَفِي مَيْدَانِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، نَجِدُ أَنَّ الْبَصِيرَةَ هِيَ الَّتِي تَقُودُ إِلَى الِابْتِكَارِ وَالِاكْتِشَافِ. الْعَالِمُ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الظَّوَاهِرِ الطَّبِيعِيَّةِ بِبَصَرِهِ فَقَطْ، قَدْ يَصِفُهَا وَيُصَنِّفُهَا، لَكِنَّ الْعَالِمَ صَاحِبَ الْبَصِيرَةِ هُوَ مَنْ يَنْفُذُ إِلَى الْقَوَانِينِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي تُسَيِّرُ هَذَا الْكَوْنَ. نِيُوتُن لَمْ يَكُنِ الْوَحِيدَ الَّذِي رَأَى التُّفَّاحَةَ تَسْقُطُ، فَمَلَايِينُ الْبَشَرِ رَأَوْا ذَلِكَ قَبْلَهُ بِأَبْصَارِهِمْ، لَكِنَّ بَصِيرَتَهُ هِيَ الَّتِي تَسَاءَلَتْ عَنِ السَّبَبِ وَالْمُوجِبِ، فَوَلَدَ قَانُونُ الْجَاذِبِيَّةِ. هَكَذَا هِيَ الْبَصِيرَةُ، تُعْطِي لِلْمُشَاهَدَةِ الْمُعْتَادَةِ بَعْدًا غَيْرَ مَعْتَادٍ.
كَمَا أَنَّ الْبَصِيرَةَ لَهَا دَوْرٌ مِحْوَرِيٌّ فِي الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ. فَالصَّدَاقَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، وَالْحُبُّ الصَّادِقُ، وَالْوَفَاءُ الْمُتِينُ، كُلُّهَا رَوَابِطُ تَقُومُ عَلَى “بَصِيرَةِ الْقُلُوبِ”. حِينَ تَرَى فِي صَدِيقِكَ جَوْهَرَهُ وَمَعْدَنَهُ النَّفِيسَ رَغْمَ عُيُوبِهِ الظَّاهِرَةِ، فَأَنْتَ تُمَارِسُ الْبَصِيرَةَ. وَحِينَ تَعْفُو عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ لِأَنَّكَ رَأَيْتَ ضَعْفَهُ الْبَشَرِيَّ وَجَهْلَهُ، فَأَنْتَ تَنْظُرُ بِبَصِيرَتِكَ. إِنَّ الْعَالَمَ بِدُونِ بَصِيرَةٍ سَيَكُونُ غَابَةً مِنَ الْأَجْسَادِ الْمُتَصَادِمَةِ، لَكِنَّهُ بِالْبَصِيرَةِ يَتَحَوَّلُ إِلَى رَوْضَةٍ مِنَ الْأَرْوَاحِ الْمُتَآلِفَةِ.
وَلَا نَنْسَى أَنَّ الْبَصِيرَةَ هِيَ زَادُ الصَّبْرِ. فَالْإِنْسَانُ الْمُبْتَلَى الَّذِي يَفْقَدُ بَصَرَهُ، إِذَا رُزِقَ الْبَصِيرَةَ، رَأَى فِي بَلَائِهِ عِنَايَةً إِلَهِيَّةً وَتَمْحِيصاً لِرُوحِهِ. لِذَلِكَ نَجِدُ الْكَثِيرَ مِنَ الْمَكْفُوفِينَ كَانُوا أَكْثَرَ تفاؤلاً وَإِيجَابِيَّةً وَإِنْتَاجاً مِمَّنْ يَمْلِكُونَ أَبْصَارَهُمْ. لَقَدْ عَوَّضَهُمُ اللَّهُ بِنُورٍ دَاخِلِيٍّ يَجْعَلُهُمْ يَرَوْنَ الْجَمَالَ فِي الصَّمْتِ، وَالضِّيَاءَ فِي الظَّلَامِ. هَؤُلَاءِ هُمُ الْبُرْهَانُ الْحَيُّ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ رُوحٌ تُبْصِرُ، لَا جَسَدٌ يَنْظُرُ.
إِنَّنَا الْيَوْمَ فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَى إِعَادَةِ الِاعْتِبَارِ لِلْبَصِيرَةِ فِي مَجَالَاتِ السِّيَاسَةِ وَالِاقْتِصَادِ وَالِاجْتِمَاعِ. السِّيَاسِيُّ الَّذِي لَا يَمْلِكُ بَصِيرَةً يَقُودُ بَلَدَهُ إِلَى مَهَالِكَ الْفِتَنِ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى مَصَالِحِهِ الْآنيَّةِ الضَّيِّقَةِ. وَالِاقْتِصَادِيُّ الَّذِي لَا يَمْلِكُ بَصِيرَةً يُدَمِّرُ الْبِيئَةَ وَالْمُجْتَمَعَ لِأَنَّهُ لَا يَرَى إِلَّا الْأَرْبَاحَ الرَّقَمِيَّةَ الْبَارِدَةَ. إِنَّ الْبَصِيرَةَ هِيَ الضَّمِيرُ الْحَيُّ الَّذِي يَقُولُ لَنَا: “تَوَقَّفُوا، لَيْسَ كُلُّ مَا يَلْمَعُ ذَهَبًا، وَلَيْسَ كُلُّ طَرِيقٍ سَهْلٍ يُؤَدِّي إِلَى النَّجَاةِ”.
إِنَّ طَرِيقَ الْبَصِيرَةِ يَبْدَأُ بِالتَّوَاضُعِ. فَالْمُتَكَبِّرُ لَا يَرَى إِلَّا نَفْسَهُ، وَمَنْ لَمْ يَرَ إِلَّا نَفْسَهُ فَهُوَ فِي عَمًى حَقِيقِيٍّ. التَّوَاضُعُ يَفْتَحُ نَوَافِذَ الرُّوحِ لِتَسْتَقْبِلَ أَنْوَارَ الْحِكْمَةِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَوْلَهَا؛ مِنْ نَسْمَةِ هَوَاءٍ، مِنْ دَمْعَةِ يَتِيمٍ، مِنْ حِكْمَةِ شَيْخٍ، وَمِنْ سُجُودٍ خَاشِعٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ. هَذِهِ هِيَ مَصَادِرُ الْبَصِيرَةِ الَّتِي تَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَرَى مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِعَيْنِ الْيَقِينِ.
وَفِي الْخِتَامِ، يَنْبَغِي لَنَا أَنَّ نُدْرِكَ أَنَّ الْبَصَرَ هِبَةٌ، وَأَنَّ الْبَصِيرَةَ كَسْبٌ وَمِنْحَةٌ. الْبَصَرُ يَمُوتُ بِمَوْتِ الْجَسَدِ، لَكِنَّ الْبَصِيرَةَ تَبْقَى نُورًا يُضِيءُ لِلْإِنْسَانِ قَبْرَهُ وَمَحْشَرَهُ. فَلْنَسْعَ جَاهِدِينَ أَنْ نَكُونَ مِنْ أُولِي الْأَبْصَارِ وَالْبَصَائِرِ، وَأَنْ نُطَهِّرَ نَظَرَاتِنَا مِنَ الْهَوَى، وَقُلُوبَنَا مِنَ الرَّيْنِ، لِنَرَى الْكَوْنَ كَمَا أَرَادَهُ الْخَالِقُ: لَوْحَةً فَنِّيَّةً تُشِيرُ إِلَى عَظَمَتِهِ، وَمَسْرَحاً لِلْخَيْرِ يَقُودُ إِلَى مَرْضَاتِهِ. فَإِذَا مَا فَقَدْنَا الْبَصَرَ يَوْماً، فَلْنَدْعُ اللَّهَ أَلَّا نَفْقِدَ الْبَصِيرَةَ، لِأَنَّ مَنْ فَقَدَ الْبَصَرَ فَقَدْ رُؤْيَةَ الْخَلْقِ، أَمَّا مَنْ فَقَدَ الْبَصِيرَةَ فَقَدْ فَقَدَ رُؤْيَةَ الْحَقِّ، وَبَيْنَ الرُّؤْيَتَيْنِ بَوْنٌ شَاسِعٌ وَمَسَافَةٌ لَا تُقَاسُ بِمَقَايِيسِ الْبَشَرِ، بَلْ بِمَوَازِينِ السَّمَاءِ.
إِنَّ الْبَصِيرَةَ هِيَ الْعَيْنُ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَالسِّرَاجُ الَّذِي لَا يَنْطَفِئُ، فَلْنَمْلَأْ مِشْكَاةَ قُلُوبِنَا بِإِيمَانٍ صَادِقٍ وَفِكْرٍ نَاقِدٍ، لِنَكُونَ حَقًّا مِمَّنْ يُبْصِرُونَ بِقُلُوبِهِمْ قَبْلَ عُيُونِهِمْ، فَالْبَصِيرَةُ هِيَ الْأَصْلُ، وَالْبَصَرُ هُوَ الْفَرْعُ، وَلَا قِيَامَ لِفَرْعٍ بِلَا أَصْلٍ مَتِينٍ. فَلْيَكُنْ شِعَارُنَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ: أَنْ نَرَى بِالْقَلْبِ مَا يَعْجَزُ عَنْهُ النَّظَرُ، وَأَنْ نَسِيرَ بِنُورِ الْبَصِيرَةِ فِي دُرُوبِ الْبَشَرِ، لِنَصِلَ فِي النِّهَايَةِ إِلَى بَرِّ الْأَمَانِ، حَيْثُ تَنْجَلِي كُلُّ الْحُجُبِ وَتَبْقَى الْحَقِيقَةُ وَاضِحَةً كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ.

اترك تعليقاً