الصحراء المغربية: قراءة في الجذور التاريخية والمسار السياسي

 

كتبت سحر مهني

 

تُعد قضية الصحراء المغربية واحدة من أكثر القضايا حضوراً في الوجدان المغربي والسياسة الدولية، فهي ليست مجرد رقعة جغرافية غنية بالثروات، بل هي جزء لا يتجزأ من الهوية التاريخية للدولة المغربية عبر العصور. يمتد النزاع حولها لعقود، لكن جذور القصة تبدأ من عمق التاريخ والروابط الروحية والسياسية التي ربطت القبائل الصحراوية بسلاطين المغرب.

الجذور التاريخية: روابط “البيعة” العميقة

تاريخياً، لم تكن الصحراء المغربية يوماً أرضاً “خلاء” أو كياناً مستقلاً. فمنذ عهد المرابطين والموحدين، كانت هذه المناطق جزءاً حيوياً من الإمبراطوريات المغربية المتعاقبة.

عقد البيعة: استندت السيادة المغربية دائماً إلى نظام “البيعة”، وهو ميثاق قانوني وروحي يربط شيوخ القبائل الصحراوية بالعرش العلوي.

الإدارة والتعيينات: سجلت الوثائق التاريخية والاتفاقيات الدولية تعيين سلاطين المغرب للولاة والقضاة في مناطق الساقية الحمراء ووادي الذهب، وإصدار ظهائر سلطانية لتنظيم شؤون القبائل هناك.

الحقبة الاستعمارية وبداية “التجزئة”

مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تعرض المغرب لضغوط استعمارية كبرى أدت إلى تقسيم أراضيه بين القوى الأوروبية:

الاحتلال الإسباني: في عام 1884، بسطت إسبانيا سيطرتها على المنطقة بعد مؤتمر برلين، وحولتها إلى ما عرف بـ “الصحراء الإسبانية”.

المقاومة المسلحة: لم يهدأ سكان الصحراء، حيث خاضوا معارك طاحنة ضد الاحتلال بالتنسيق مع الحركة الوطنية في شمال ووسط المغرب، مثل معركة “الهري” ومعارك “جيش التحرير” في الخمسينيات.

المسيرة الخضراء: العودة الكبرى

بعد عقود من الاستعمار، حقق المغرب اختراقاً تاريخياً في عام 1975 من خلال:

رأي محكمة العدل الدولية: التي أكدت وجود روابط قانونية وروابط بيعة بين سلاطين المغرب والقبائل الصحراوية.

المسيرة الخضراء: في 6 نوفمبر 1975، وبنداء من الملك الراحل الحسن الثاني، انطلق 350 ألف مغربي ومغربية نحو الصحراء حاملين المصاحف والأعلام الوطنية، في أكبر ملحمة سلمية لاسترجاع الأرض، مما أجبر إسبانيا على توقيع “اتفاقية مدريد” والانسحاب من المنطقة.

النشأة والتطور السياسي المعاصر

منذ استرجاع الأقاليم الجنوبية، شهدت المنطقة تحولات جذرية:

التنمية الشاملة: تحولت مدن مثل العيون والداخلة من تجمعات سكنية بسيطة إلى مراكز حضرية واقتصادية كبرى، تضم مطارات دولية وموانئ ومشاريع للطاقة المتجددة.

مقترح الحكم الذاتي: في عام 2007، قدم المغرب مبادرة لمنح الصحراء حكماً ذاتياً تحت سيادته، وهي المبادرة التي يصفها المجتمع الدولي والعديد من القوى الكبرى (مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا) بأنها الحل “الأكثر جدية وواقعية ومصداقية”.

الاعترافات الدولية: تشهد المنطقة اليوم زخماً ديبلوماسياً واسعاً بفتح عشرات القنصليات لدول عربية وإفريقية وغربية، مما يكرس السيادة المغربية على الأرض.

تظل الصحراء المغربية نموذجاً لصراع طويل من أجل استكمال الوحدة الترابية، حيث تزاوج الدولة المغربية اليوم بين التنمية الاقتصادية الميدانية والتحركات الدبلوماسية الدولية لإنهاء هذا النزاع المفتعل، مؤكدة أن “المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها”.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *