بعد ظاهرة الانتحار .. الرؤية النفسية والدينية  

 

سحر مهني تكتب..

 

في الآونة الأخيرة، تصدرت أخبار الانتحار واجهات منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، ولم تعد مجرد حوادث فردية عابرة، بل تحولت إلى “ناقوس خطر” يدق في قلب المجتمعات العربية. خلف كل رقم في إحصائيات الانتحار تكمن قصة ألم، وضغوط نفسية، وصراع مرير مع واقعٍ ضاغط، مما يفرض علينا وقفة جادة لفهم أبعاد هذه الظاهرة وكيفية مواجهتها بالدعم المجتمعي والوازع الديني.

الأسباب.. حين تضيق الدنيا

يرى خبراء علم الاجتماع والنفس أن انتشار هذه الظاهرة يعود لتشابك عوامل عدة، أبرزها:

الضغوط الاقتصادية والاجتماعية: التي تخلق حالة من الشعور بالعجز وعدم الجدوى.

الأمراض النفسية الصامتة: مثل الاكتئاب الحاد، واضطراب ثنائي القطب، والتي غالباً ما يتم تجاهلها أو وصمها اجتماعياً.

العزلة الرقمية: رغم الانفتاح التكنولوجي، يعيش الكثيرون عزلة حقيقية وفراغاً عاطفياً يزيد من حدة التفكير في إنهاء الحياة.

رأي الدين: صون النفس أسمى المقاصد

أجمعت الشرائع السماوية، وفي مقدمتها الإسلام، على قدسية الحق في الحياة. فالنفس البشرية ليست ملكاً لصاحبها، بل هي أمانة استودعها الله لدى الإنسان.

1. التحريم القاطع:

يؤكد علماء الدين أن الانتحار من كبائر الذنوب، استناداً لقول الله تعالى: «وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا». فالإسلام ينظر للانتحار على أنه اعتداء على ملك الله، وتعدٍ على حكمته وقدره.

2. الرحمة والابتلاء:

يوضح الفقهاء أن المسلم مطالب بالصبر عند الابتلاء، معتبرين أن الدنيا دار اختبار. ومع ذلك، يفرق الدين بين “العاصي” الذي يقدم على الفعل وهو في كامل قواه العقلية، وبين “المريض النفسي” الذي قد يرفع عنه القلم نتيجة غياب الإدراك أو سيطرة المرض، مؤكدين أن الحكم النهائي هو لله وحده، لكن التحذير من الفعل واجب لحماية المجتمع.

3. دور التوكل والأمل:

الدين ليس مجرد زجر وعقاب، بل هو “طوق نجاة”؛ فمفهوم التوكل على الله وحسن الظن به يعمل كمصدات نفسية تمنع الفرد من الوقوع في فخ اليأس المطلق.

المجتمع.. شريك في الحل لا في الجريمة

لا ينبغي الاكتفاء بالوعظ الديني وحده، بل يجب أن يتكامل مع دور المجتمع:

إزالة “وصمة العار” عن المرض النفسي: تشجيع الشباب على طلب الاستشارة النفسية دون خجل.

الاحتواء الأسري: تفعيل لغة الحوار داخل البيوت ورصد أي علامات انعزال أو حزن مفاجئ على الأبناء.

تفعيل الخطوط الساخنة: ضرورة وجود مراكز دعم نفسي تعمل على مدار الساعة لتقديم المساعدة الفورية لمن تراودهم أفكار انتحارية.

 

إن مواجهة ظاهرة الانتحار تتطلب تكاتفاً بين “المسجد والكنيسة” من جهة، و”المدرسة والأسرة والطب النفسي” من جهة أخرى. الحياة هبة عظيمة، والضيق الذي نشعر به اليوم قد يكون بوابة لفرج قريب إذا ما وجدنا اليد التي تمتد إلينا لتنتشلنا من بئر اليأس.

رسالة لكل من يتألم: “لست وحدك، والحديث عما يؤلمك هو أولى خطوات النجاة”.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *