بقلم: عبدالحافظ الرواس
مسقط.. ميزان التعقل في عالم مضطرب**
في قلب منطقة تموج بالاضطرابات، وتتلاطم فيها أمواج الصراعات الجيوسياسية، تبرز سلطنة عُمان كواحة من الهدوء والاستقرار، ليس فقط لمواطنيها، بل لكل من ينشد السلام في الشرق الأوسط والعالم. إن المتأمل في مسيرة السياسة الخارجية العُمانية يدرك تماماً أنها ليست نتاج صدفة أو ردود أفعال عابرة، بل هي انعكاس لهوية حضارية ضاربة في عمق التاريخ، وفلسفة سياسية صاغتها قيادة حكيمة آمنت بأن الحوار هو السبيل الأوحد لفض النزاعات، وأن “الصداقة مع الجميع” هي الاستثمار الأبقى للدول.
لقد استطاعت مسقط، عبر عقود من الزمن، أن تتبوأ مكانة مرموقة كـ “وسيط موثوق” وصوت للحكمة في المحافل الدولية. وفي هذا المقال، نسبر أغوار هذه التجربة الفريدة، مستعرضين ركائز الدبلوماسية العُمانية، ودورها الريادي في إطفاء حرائق المنطقة، وكيف واصل حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – قيادة هذه السفينة بحكمة واقتدار، لتبقى عُمان دائماً أيقونة للسلام العالمي.
—
### **الجذور التاريخية: فلسفة القائد المؤسس واستمرارية النهج**
لا يمكن الحديث عن الدبلوماسية العُمانية دون العودة إلى الجذور التي أرساها المغفور له بإذن الله، السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه. منذ بزوغ فجر النهضة المباركة في عام 1970، وضع جلالته قواعد ذهبية للسياسة الخارجية، لخصها في: “مد يد الصداقة لكل دول العالم، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، واحترام السيادة الوطنية”.
هذه المبادئ لم تكن مجرد شعارات، بل تحولت إلى منهاج عمل يومي. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تنقسم بين معسكرات أيديولوجية متناحرة، اختارت عُمان طريقاً ثالثاً، طريقاً يعلي من شأن “الحياد الإيجابي”. هذا الحياد لا يعني الانعزال عن قضايا الأمة والعالم، بل يعني الوقوف على مسافة واحدة من الجميع لضمان القدرة على التدخل كوسيط نزيه حين تشتد الأزمات.
لقد آمن العمانيون بأن الجغرافيا هي قدر، ولكن السياسة هي اختيار. وبحكم موقع السلطنة الاستراتيجي المطل على مضيق هرمز، أدركت مسقط أن أي اضطراب في محيطها سينعكس عليها، ومن هنا ولدت رغبة صادقة في خلق بيئة إقليمية مستقرة تدعم خطط التنمية الداخلية.
—
### **عُمان والحياد الإيجابي: ليس انعزالاً بل مسؤولية**
كثيراً ما يوصف الموقف العُماني بـ “سويسرا الشرق الأوسط”، وهو وصف يختزل الكثير من الإعجاب بقدرة هذا البلد على الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متناقضة تماماً. عُمان تنجح في أن تكون حليفاً استراتيجياً للغرب، وفي الوقت ذاته شريكاً موثوقاً للشرق، وتربطها علاقات أخوة راسخة مع أشقائها في مجلس التعاون الخليجي والدول العربية، بينما تحتفظ بقنوات اتصال مفتوحة وفعالة مع الجيران الإقليميين مثل إيران.
هذا التوازن ليس “لعباً على الحبلين”، بل هو تجسيد للمسؤولية السياسية. فالعالم يحتاج إلى طرف قادر على نقل الرسائل بعيداً عن صخب الإعلام ومنصات التهديد. الدبلوماسية العمانية تعمل في صمت، تفضل “دبلوماسية الغرف المغلقة” على الخطابات الرنانة، لأن الهدف هو النتائج وليس الاستعراض. إنها دبلماسية “الهدوء الذي يسبق السلام”، حيث يتم تذويب الجليد بين الخصوم ببطء وبصبر عُماني معهود.
—
### **هندسة الوساطات: كيف أصبحت مسقط “مطبخ” الاتفاقات الكبرى؟**
سجلت سلطنة عُمان نجاحات دبلوماسية باهرة أذهلت المراقبين الدوليين. ولعل أبرز هذه النجاحات هو الدور المحوري الذي لعبته مسقط في تمهيد الطريق للاتفاق النووي الإيراني عام 2015. لسنوات، كانت مسقط هي المكان السري الذي التقى فيه المسؤولون الأمريكيون والإيرانيون بعيداً عن الأضواء، حيث وفرت العاصمة العُمانية مناخاً من الثقة المتبادلة سمح بكسر عقود من القطيعة.
ولم يتوقف الدور العُماني عند الملف النووي، بل امتد ليشمل ملفات إنسانية وسياسية معقدة:
1. **الملف اليمني:** تبذل السلطنة جهوداً مضنية لإنهاء الصراع في اليمن الشقيق. فهي تستضيف الأطراف اليمنية المتنازعة، وتعمل بتنسيق وثيق مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للوصول إلى حل سياسي شامل ينهي معاناة الشعب اليمني ويضمن أمن المنطقة.
2. **تحرير الرهائن:** أصبحت مسقط وجهة عالمية لطلب الوساطة في الإفراج عن المعتقلين والرهائن من جنسيات مختلفة في مناطق الصراع. هذه الجهود الإنسانية تنطلق من قيم عُمانية أصيلة تؤمن بكرامة الإنسان بعيداً عن المقايضات السياسية.
3. **الأزمات الخليجية:** كانت عُمان دائماً “صوت العقل” داخل البيت الخليجي، حيث سعت باستمرار لتقريب وجهات النظر والحفاظ على كيان مجلس التعاون الخليجي كمنظومة متماسكة رغم العواصف السياسية.
—
### **عصر النهضة المتجددة: السلطان هيثم بن طارق وتحديث الدبلوماسية**
مع تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – مقاليد الحكم في يناير 2020، أكد في خطابه الأول على ثبات النهج العُماني في السياسة الخارجية. لقد منح جلالته الدبلوماسية العُمانية دفقاً جديداً يتسم بالواقعية السياسية والارتباط الوثيق بالتنمية الاقتصادية.
في عهد النهضة المتجددة، أصبحت الدبلوماسية وسيلة لتعزيز “رؤية عُمان 2040”. فالسلطنة اليوم تروج لنفسها كمركز عالمي للاستثمار والخدمات اللوجستية، مستغلة استقرارها السياسي وعلاقاتها الدولية المتميزة. إن “دبلوماسية السلام” أصبحت اليوم متداخلة مع “دبلوماسية الاقتصاد”، حيث يدرك العالم أن الاستثمار في عُمان هو استثمار في بيئة آمنة ومستقرة.
كما تميزت فترة جلالة السلطان هيثم بتعزيز الحضور العُماني في القضايا العربية الراهنة، مع التأكيد المستمر على عدالة القضية الفلسطينية كقضية مركزية، والمطالبة بحل عادل وشامل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني وفق القرارات الدولية.
—
### **دبلوماسية التنمية: رؤية “عمان 2040” والارتباط بالاستقرار**
لا يمكن فصل النجاح السياسي الخارجي لعُمان عن طموحاتها الداخلية. فرؤية “عُمان 2040” التي أطلقها جلالة السلطان هيثم بن طارق، تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وبناء اقتصاد مستدام. وهنا تبرز الدبلوماسية كأداة لفتح الأسواق العالمية أمام المنتجات العُمانية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
عُمان اليوم تطور موانئها في الدقم وصحار وصلالة لتكون همزة وصل بين الشرق والغرب. وهذا النجاح الاقتصادي يعتمد بالدرجة الأولى على السمعة السياسية الطيبة للسلطنة. فالمستثمر يبحث عن بلد لا يفتعل الأزمات، بلد يحترم تعهداته الدولية، ويتمتع بعلاقات طيبة مع جيرانه. إن الحكمة العُمانية في السياسة هي الضمانة الكبرى للازدهار الاقتصادي المنشود.
—
### **الإنسان العُماني: القوة الناعمة وسفير القيم**
إن سر نجاح الدبلوماسية العُمانية لا يكمن فقط في دهاليز وزارة الخارجية، بل في “الإنسان العُماني” نفسه. يتميز المواطن العُماني بسمات خلقية رفيعة، من التسامح، والهدوء، وقبول الآخر. هذه الخصال هي التي تشكل “القوة الناعمة” للسلطنة.
على مر العصور، كان العُمانيون تجاراً ووسطاء ثقافة عبر البحار، من سواحل أفريقيا إلى شواطئ الصين. هذا الميراث التجاري والبحري صقل الشخصية العُمانية لتكون مرنة وقادرة على التكيف والتعايش. واليوم، حين يرى العالم الدبلوماسي العُماني، فإنه يرى فيه انعكاساً لمجتمع متصالح مع نفسه، مجتمع يرفض الغلو والتطرف، ويؤمن بأن التنوع هو مصدر قوة لا ضعف.
تجسد عُمان هذا النموذج من خلال “رسالة عُمان للسلام” ومن خلال استضافتها للمؤتمرات التي تعنى بحوار الأديان والحضارات. إنها تقدم للعالم نموذجاً للدولة المسلمة العصرية التي تحافظ على أصالتها وتنفذ إلى آفاق الحداثة بكل ثقة.
—
### **التحديات الراهنة ومستقبل الدور العُماني**
بالطبع، الطريق ليس مفروشاً بالورود. فالمنطقة تعيش تحولات كبرى، من تقلبات أسعار الطاقة إلى التغيرات المناخية، وصولاً إلى التوترات العسكرية في البحر الأحمر والمناطق المجاورة. لكن عُمان، بفضل حكمتها المتراكمة، تتعامل مع هذه التحديات كفرص لإثبات صواب نهجها.
في الملفات الإقليمية الملتهبة، تظل مسقط هي “صوت العقل”. هي التي تدعو دائماً إلى ضبط النفس، واللجوء إلى مائدة المفاوضات، وتغليب لغة المصالح المشتركة على لغة السلاح. إن العالم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى “النموذج العُماني” الذي يثبت أن الحكمة ليست ضعفاً، وأن السلام هو أشجع الخيارات التي يمكن أن يتخذها القائد.
—
### **عُمان والقضية الفلسطينية: ثبات المبدأ ونصرة الحق**
في خضم المتغيرات السياسية، تظل قضية فلسطين في قلب السياسة الخارجية العُمانية. تؤكد السلطنة دائماً، في كافة المحافل الدولية، على ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. الموقف العُماني هنا يتسم بالثبات الأخلاقي والقانوني، حيث ترفض عُمان كافة أشكال الظلم والاحتلال، وتدعو المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته التاريخية تجاه الشعب الفلسطيني. هذا الموقف يعزز من مصداقية عُمان كدولة مبادئ، لا تبيع مواقفها في سوق التوازنات السياسية العابرة.
—
### **الخاتمة: عُمان.. قدر الجغرافيا وخيار الحكمة**
في ختام هذا الاستعراض، يمكننا القول إن سلطنة عُمان قد صاغت لنفسها دوراً فريداً في التاريخ الحديث. إنها ليست مجرد دولة على الخارطة، بل هي فكرة.. فكرة السلام الممكن، والحوار المجدي، والتعايش الإنساني.
إن دبلوماسية الحكمة التي يقودها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، هي استمرار لنهج عظيم وتطوير لمستقبل واعد. ستظل عُمان، كما كانت دائماً، المرفأ الأمين الذي تلتقي فيه الإرادات الدولية لتسوية الخلافات، والمنبر الذي ينطلق منه صوت السلام عالياً ومؤثراً.
لقد علمتنا عُمان أن القوة الحقيقية للدول لا تقاس بحجم ترسانتها العسكرية، بل بقدرتها على بناء الجسور، وتأليف القلوب، ونشر الطمأنينة. وبقلمنا هذا، نؤكد أن العالم مدين لمسقط بالكثير، وأن التاريخ سيسجل بمداد من نور أن في هذا الركن من الجزيرة العربية، شعباً وقيادة، اختاروا أن يكونوا رسل سلام في عالم أرهقته الحروب.
حفظ الله عُمان، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان، وأبقاها دائماً مناراً للحكمة والتعقل تحت ظل قيادتها الحكيمة.
—

اترك تعليقاً