مؤتمر ميونخ للأمن ينطلق وسط مخاوف أوروبية من تراجع الضمانات الأمنية الأمريكي

كتبت سحر مهني

 

انطلقت اليوم الجمعة فعاليات النسخة الجديدة من مؤتمر ميونخ للأمن في وقت يواجه فيه النظام الدولي واحدة من أكثر اللحظات تعقيدا منذ نهاية الحرب الباردة حيث يسيطر القلق على القادة الأوروبيين بشأن مدى استمرارية الثقة في واشنطن كحليف استراتيجي موثوق في ظل التحولات السياسية العميقة التي تشهدها الولايات المتحدة حاليا ويرى مراقبون أن النسخة الحالية للمؤتمر لا تتعلق فقط بمناقشة الأزمات المشتعلة في الشرق الأوسط وأوكرانيا بل تتمحور بشكل أساسي حول السؤال الوجودي للقارة العجوز وهو هل تستطيع أوروبا حماية نفسها إذا ما قررت واشنطن الانكفاء على ذاتها أو تقليص دورها في حلف شمال الأطلسي الناتو

وتأتي هذه التساؤلات في ظل تصريحات مثيرة للجدل شهدتها الساحة السياسية الأمريكية مؤخرا والتي أعادت إلى الأذهان حقبة من التوتر في العلاقات عبر الأطلسي مما دفع دولا مثل ألمانيا وفرنسا إلى المطالبة بضرورة تعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي وتطوير قدرات دفاعية ذاتية لا تعتمد بشكل كلي على المظلة النووية الأمريكية أو الدعم العسكري القادم من واشنطن وقد عبر عدد من المسؤولين الأوروبيين في كواليس المؤتمر عن خشيتهم من أن تصبح الضمانات الأمنية التي يقدمها البيت الأبيض مجرد ورقة في الصراعات الانتخابية الأمريكية الداخلية مما يضع أمن القارة بأكملها في مهب الريح

وعلى صعيد أجندة المؤتمر فمن المتوقع أن تشهد الجلسات نقاشات حادة حول زيادة الميزانيات الدفاعية للدول الأعضاء في الناتو حيث تضغط واشنطن من أجل وصول الجميع إلى نسبة الاثنين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي كحد أدنى للإنفاق العسكري وهو المطلب الذي باتت تراه عواصم أوروبية عديدة ضرورة ملحة ليس فقط لإرضاء الحليف الأمريكي بل لتجهيز القارة لمواجهة التهديدات المتزايدة على حدودها الشرقية في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية التي دخلت مرحلة استنزاف طويلة الأمد تتطلب نفسا عسكريا واقتصاديا لم تعد أوروبا واثقة تماما من قدرتها على تحمله بمفردها

وفي سياق متصل يشكل الحضور الأمريكي في ميونخ اختبارا حقيقيا للدبلوماسية حيث يسعى الوفد الأمريكي إلى طمأنة الحلفاء بأن الالتزام بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو لا يزال راسخا ولا يقبل التأويل إلا أن هذه التطمينات تصطدم بواقع سياسي أمريكي متقلب يجعل القادة الأوروبيين يبحثون عن ضمانات تشريعية ومؤسسية تتجاوز مجرد الوعود الشفهية الصادرة عن الإدارة الحالية خاصة وأن أشباح الماضي والسيناريوهات المستقبلية المتعلقة بالانتخابات الرئاسية الأمريكية تفرض نفسها بقوة على ردهات فندق بايريشير هوف الذي يستضيف المؤتمر

كما يسلط المؤتمر الضوء على الانقسامات العميقة في الرؤى تجاه التعامل مع التحديات الصاعدة من الشرق حيث تتبنى واشنطن نهجا أكثر صرامة تجاه الصين بينما تحاول بعض العواصم الأوروبية الحفاظ على شعرة معاوية لضمان مصالحها الاقتصادية مما يضيف طبقة أخرى من التوتر إلى العلاقات العابرة للمحيط ويعزز الشعور بأن المصلحة الوطنية الأمريكية قد لا تتطابق دائما مع الطموحات الأوروبية مما يجعل هذا التجمع الأمني الأكبر في العالم بمثابة منصة لمواجهة الحقائق المرة بدلا من كونه مجرد احتفالية لوحدة الصف الغربي التي تبدو اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *