كتبت سحر مهني
لقد وُلدت المهرجانات السينمائية الكبرى في الأصل لتكون نوافذ حضارية تعكس رقي الشعوب، وتجسد هويتها، وتبرز عمقها الثقافي والإنساني عبر بوابة الفن السابع. غير أن ما يُطالعنا به مهرجان الجونة السينمائي في دوراته المتتالية من استعراض الأزياء وما فيها من تعري بات يطرح علامات استفهام كبرى، بل ويخلق حالة من السخط والامتعاض الشعبي المتصاعد؛ إذ تحول شيئاً فشيئاً عن مساره الفني الأصيل ليمسي منصة مثيرة للجدل، تتقاطع فيها أزياء خادشة للحياء، وتصرفات تُنافي أبسط الأعراف والتقاليد المجتمعية الأصيلة للشعب المصري.
إن الخطير في الأمر لا يكمن فقط في المظهر الخارجي أو الممارسات الشكلية المثيرة للجدل، بل يتعدى ذلك إلى محاولات مستترة ومباشرة أحياناً للمساس بالثوابت الدينية، ومهاجمة الهوية المجتمعية بطريقة تفتقر إلى الحد الأدنى من المسؤولية الوطنية والأخلاقية. حين يتحول الفن من رسالة سامية تبني الإنسان وترتقي بوجدانه إلى أداة لسلخ المجتمع عن روحه وتاريخه، وحين تُستبدل قضايا الأمة وهموم المواطن البسيط بعروض باهظة وفلسفات نخبويّة زائفة، فإننا نكون أمام أزمة حقيقية في بوصلة النخبة الفنية والثقافية.
التعالي الواضح على وجدان الشعب المصري وقيمه هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه؛ فهذا الشعب الذي عُرف عبر تاريخه العريق باعتداله، واحترامه للقيم الدينية، وتمسكه بأخلاقه وتقاليده الراسخة، لا يمكن أن يقبل بأن يُنظر إليه باعتباره متلقياً سلبياً لثقافات وافدة تتنكر لدينه وهويته تحت غطاء “الحرية الفنية” و”الانفتاح الحضاري”. فالحرية الحقيقية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمسؤولية، والإبداع الراقي لا يحتاج أبداً إلى الاستفزاز أو الخروج عن المألوف ليثبت وجوده.
إن مؤسسات الثقافة والفن والإعلام في مصر مطالبة اليوم بوقفة حاسمة وجادة لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح. الفن المصري تاريخياً كان مرآةً صادقة للشعب، ضميراً حياً يعبر عن آلامه وآماله، وليس منبراً لسلخ المجتمع عن جذوره أو فرض أنماط سلوكية دخيلة تأباها الفطرة السليمة. آن الأوان لأن تدرك هذه الفعاليات أن احترام الشعب المصري وثوابته الدينية والوطنية هو الشرط الأساسي لأي نجاح، وأن الفن الذي يفقد صلته بروحه وهويته مآله إلى زوال.

اترك تعليقاً