في الحياة السياسية لا تقاس قوة الأحزاب بتاريخها العريق أو شعاراتها البراقة فحسب، وإنما بمدى التزامها بلوائحها واحترامها لإرادة جمعيتها العمومية وقدرتها على ترسيخ مبدأ التداول الديمقراطي للقيادة بعيدا عن المصالح الشخصية والحسابات الضيقة
ومن هنا تبرز أهمية المقارنة بين مفهوم الدولة القائمة على المؤسسات وسيادة القانون وبين ما تشهده الأحزاب السياسية من خلافات حول اللوائح وآليات إدارة السلطة داخلها
فالدولة المصرية تؤكد في خطابها الرسمي أهمية احترام الدستور والقانون والحفاظ على استقرار المؤسسات، وهي مبادئ يفترض أن تنعكس كذلك على أداء الأحزاب السياسية باعتبارها أحد مكونات الحياة العامة وأحد مسارات المشاركة السياسية
وفي هذا السياق يواجه حزب الوفد، صاحب التاريخ الممتد في الحياة السياسية المصرية والمرتبط تقليديا بقيم الليبرالية والتعددية، نقاشا حول التعديلات المقترحة على لائحته الداخلية، ولا سيما ما يتعلق بتنظيم منصب نائب رئيس الحزب وآلية تولي المسؤولية حال غياب رئيس الحزب أو خلو المنصب
وهنا يبرز سؤال جوهري هل تستهدف التعديلات سد فراغ تنظيمي وضمان استمرارية العمل الحزبي أم أنها قد تفتح الباب أمام تفسيرات تثير مخاوف بشأن تركيز السلطة داخل الحزب
الإجابة لا ينبغي أن تخضع للتخمين أو النوايا المفترضة وإنما يجب أن تستند إلى نصوص اللائحة المقترحة وآلية إقرارها ومدى اتساقها مع اختصاصات الجمعية العمومية والهيئات المنتخبة
فالخلاف ليس على حق أي قيادة في اقتراح تعديلات تنظيمية وإنما على الضمانات التي تكفل أن تكون هذه التعديلات معبرة عن إرادة الوفديين وليست وسيلة لتغيير قواعد المنافسة أو حسم ترتيبات القيادة بعيدا عن الاختيار الديمقراطي
إن الوفد الذي ارتبط اسمه تاريخيا بالدفاع عن الدستور والحياة النيابية مطالب بأن يجعل من مؤسساته الداخلية نموذجا لاحترام القواعد والاحتكام إلى الإرادة الجماعية وأن يتيح لأعضائه مناقشة التعديلات المقترحة بشفافية كاملة مع إعلان مبرراتها وآثارها التنظيمية بوضوح
فلا تستقيم الحياة الحزبية بمجرد تعديل مادة أو إضافة بند وإنما تستقيم حين تكون القواعد واضحة ومعلنة وتسري على الجميع دون استثناء وحين تكون المناصب مسؤولية يحددها القانون واللائحة والإرادة الانتخابية لا ترتيبات تسبق إرادة الجمعية العمومية
إن قوة بيت الأمة لا تكمن في شخص رئيسه ولا في مجموعة بعينها وإنما في أعضائه وتاريخه وقدرته على استيعاب الاختلاف وإدارة الخلاف من خلال المؤسسات
ومن ثم فإن الحفاظ على الوفد يقتضي فتح حوار جاد حول أي تعديلات لائحية مقترحة وضمان عدم المساس بحقوق أعضاء الجمعية العمومية في الرقابة والمحاسبة والاختيار مع الاحتكام إلى النصوص المنظمة للعمل الحزبي واحترام الإجراءات القانونية المقررة
فاللوائح وجدت لتنظيم العمل لا لتقييد الإرادة الديمقراطية والدولة القوية لا تستمد قوتها من الأشخاص وإنما من المؤسسات والقواعد التي تضمن استمرارها
ويبقى السؤال أمام قيادة الوفد وأعضائه هل تكون التعديلات المرتقبة فرصة لترسيخ المؤسسية وتوسيع المشاركة أم تتحول إلى مصدر جديد للخلاف والانقسام
إن الإجابة العملية تبدأ بالشفافية وتنتهي باحترام إرادة الوفديين لأن بيت الأمة أكبر من أن تختزل مستقبله في خلاف على منصب أو مادة لائحية
الوفد تاريخ من النضال والديمقراطية ومسؤوليته اليوم أن يصون هذا التاريخ بممارسة ديمقراطية تحترم إرادة أعضائه وتؤكد أن اللائحة فوق الجميع

اترك تعليقاً