بقلم: عبدالحافظ الرواس
هل سألت نفسك يوماً وأنت تحدق في سقف غرفتك في ساعة متأخرة من الليل عن ذلك الخيط الرفيع الذي يشدك نحو الحياة أو يرخي قبضة يدك عنها؟ إنها تلك المساحة الرمادية التي نسكنها جميعاً، المنطقة التي يتصارع فيها العزم مع الوهن في معركة صامتة لا يسمع ضجيجها أحد غيرك. الأمر يبدو غريباً حقاً. أحياناً نشعر أننا قادرون على هدم الجبال بمجرد فكرة، وفي لحظة أخرى، يصبح مجرد رفع الهاتف للرد على رسالة عبئاً ثقيلاً لا يطاق. هذا هو الإنسان، كائن متذبذب بين القمة والقاع، ولا بأس في ذلك أبداً، فنحن لسنا آلات صماء تعمل ببطاريات لا تنفد، بل نحن مزيج معقد من المشاعر والظروف التي تصيغ واقعنا اليومي بكل تفاصيله الصغيرة والمملة أحياناً.
العزم، يا صديقي، ليس مجرد كلمة براقة نلوكها في خطابات التنمية البشرية أو شعارات الحماس الجوفاء، بل هو حالة من الانتصاب الداخلي للروح. هو ذلك السر الذي يجعل رجلاً في السبعين يغرس شجرة زيتون وهو يعلم أنه قد لا يأكل من ثمرها، وهي تلك القوة التي تدفع أماً متعبة لتبتسم في وجه طفلها رغم أن قلبها يقطر تعباً. من أين يأتي هذا العزم؟ مصادره ليست غامضة كما نتخيل، فهي تنبع من وضوح الغاية ومن تلك الجراح القديمة التي قررنا ألا تكسرنا بل تصهرنا لنصبح أصلب. الألم هو المربي الأول للعزم. حين تدرك أن لا أحد سيأتي لإنقاذك، هنا تحديداً يولد العزم الحقيقي كضرورة للبقاء وليس كخيار ترفي. إنه ينبض فينا حين نجد ما يستحق أن نعيش من أجله، فكرة، قضية، أو حتى شخصاً نحبه.
وعلى الضفة الأخرى، يقبع الوهن. وهو ليس مجرد تعب جسدي يزول بساعات من النوم، بل هو وهن الروح. الوهن هو ذلك الصدأ الذي يتسلل إلى إرادتنا حين نفقد المعنى، وحين تصبح الأيام نسخة مكررة من بعضها البعض دون شغف أو تطلع. هل جربت شعور أنك تمشي في طين لزج يشد قدميك للأسفل؟ هذا هو الوهن. ومصادره غالباً ما تكون داخلية أكثر منها خارجية؛ الخوف من الفشل، كثرة الالتفات للمتربصين، والإغراق في التفكير في الماضي الذي مضى ولن يعود. نحن نهن حين نترك للآخرين مقود قيادة حياتنا، وحين نصدق أننا لا نستحق الأفضل. الوهن سارق محترف، يسرق منك اللحظة الحاضرة ليغرقك في وهم المستحيل.
الحقيقة أننا نعيش في زمن يمجد القوة الظاهرية ويحتقر الضعف، وهذا في نظري قمة الزيف. القوة الحقيقية ليست في إنكار الوهن، بل في الاعتراف به ثم تجاوزه. نعم، قد نضعف، وقد نبكي، وقد نتوقف في منتصف الطريق لنلتقط أنفاسنا المقطوعة. هذا الضعف هو الذي يجعل لعزمنا قيمة. تخيل لو كنا أقوياء دائماً؟ لفقدت الانتصارات طعمها ولصارت حياتنا رتيبة كخط مستقيم على شاشة مراقبة القلب، والخط المستقيم يعني الموت. الحياة هي تلك التعرجات، صعود وهبوط، عزم ثم وهن ثم نهوض من جديد بذكاء أكبر وتجربة أعمق.
أنت وأنا، والجميع، نحمل في داخلنا أسراراً لا نبوح بها، أسراراً عن لحظات كدنا فيها أن نستسلم لولا خيط رفيع من الأمل تمسكنا به في اللحظة الأخيرة. العزم يحتاج إلى تغذية مستمرة، تماماً كالنار التي تحتاج للحطب. لا تترك روحك عارية أمام رياح الإحباط، بل أحط نفسك بكل ما هو إنساني وحقيقي. اقرأ كتاباً يلمس جرحك، تذكر نجاحاً صغيراً حققته حين ظن الجميع أنك ستسقط، أو ببساطة، انظر في المرآة وقل لنفسك إنك ما زلت هنا، وهذا بحد ذاته إنجاز عظيم.
في الواقع، الصراع بين العزم والوهن لن ينتهي ما دمنا نتنفس. إنه المحرك الذي يدفع البشرية للأمام. كل ناطحة سحاب، كل قصيدة عظيمة، وكل اختراع غير وجه التاريخ، بدأ بلحظة عزم انتصرت على وهن طويل ومضنٍ. لا تنظر إلى الوراء بكثير من الندم، فالوهن الذي شعرت به بالأمس قد يكون هو السبب في عزمك اليوم. الأمر كله يتعلق بكيفية رؤيتك للأمور. هل سترى الوهن كحفرة تسقط فيها، أم كمحطة استراحة لتجمع شتات نفسك؟ أنا شخصياً، بدأت أميل لفكرة أن الوهن ليس عدواً، بل هو مجرد تذكير بأننا بشر، وبأننا نحتاج بين الحين والآخر لأن نكون رفقاء بأنفسنا.
ربما علينا أن نتوقف عن محاولة أن نكون مثاليين. الكمال وهم، والواقعية هي أن نقبل بنقصنا ونحاول العيش معه بكرامة. العزم هو أن تمضي قدماً رغم ارتجاف ركبتيك، والوهن هو أن تجعل ذلك الارتجاف يوقفك تماماً. فكر في الأمر قليلاً. هل هناك ما يمنعك الآن من أن تأخذ نفساً عميقاً وتبدأ من جديد؟ لا أعتقد ذلك. الحياة تنتظر، وهي لا تنتظر الأقوياء فقط، بل تنتظر الصادقين الذين يحاولون مرة بعد مرة. هل غسلت وجهك اليوم واستعدت لمواجهة العالم؟ هذا يكفي كبداية.

اترك تعليقاً