كيس فول… ليس جريمة بل جرس إنذار لمنظومة تحتاج الرحمة

 

بقلم / اسامة عبدالخالق

لم يكن كيس الفول الذي وضعته طالبة في درجها داخل الفصل سوى محاولة بسيطة للبقاء… للبقاء قادرة على استكمال يوم دراسي طويل، ومواجهة واقع أقسى من أعمارنا جميعًا. لم يكن رفاهية، ولا تجاوزًا، ولا خروجًا عن القيم… بل كان “وجبة الفقراء” التي حفظت كرامة ملايين المصريين عبر عقود.

 

في إحدى مدارس محافظة بني سويف، تقف فتاة في الصف الثانوي، تحمل على كتفيها عبئًا أكبر من حقيبة كتبها. ثلاثون جنيهًا فقط هي كل ما تملكه يوميًا: مواصلات وطعام، وربما بعض الأمل. اختارت أبسط الحلول: كيس فول ورغيفين من الخبز، لتقاوم الجوع وتكمل يومها الدراسي.

لكن ما لم تكن تتوقعه، أن يتحول هذا الكيس الصغير إلى “قضية” تُهان بسببها، ويُكشف سترها أمام زملائها، ويُحرر ضدها محضر… فقط لأنها فقيرة.

 

أي منطق هذا؟ وأي تربية تلك التي تجرح بدل أن تحتوي؟

 

الخطأ هنا ليس خطأ طالبة تبحث عن لقمة تسندها، بل خطأ منظومة كاملة نسيت أن التعليم ليس فقط كتبًا ومناهج، بل هو قبل كل شيء “إنسانية”. المعلم الذي يفترض أن يكون قدوة، تحوّل – في هذه الواقعة – إلى أداة قسوة، بدل أن يكون سندًا ورحمة.

 

هذه الواقعة ليست حادثًا فرديًا، بل مرآة تكشف خللًا أعمق في طريقة التعامل داخل بعض المؤسسات التعليمية. هناك فجوة واضحة بين المسؤولين والطلاب، بين الواقع الذي يعيشه أبناء الطبقات البسيطة، وبين نظرة بعض القائمين على العملية التعليمية.

 

لقد آن الأوان أن نعيد ترتيب الأولويات:

 

أولًا: احترام كرامة الطالب، أيًّا كان وضعه المادي، فالفقر ليس جريمة، بل ابتلاء يستوجب الدعم لا السخرية.

 

ثانيًا: إعادة إحياء منظومة التغذية المدرسية، التي كانت تمثل طوق نجاة لآلاف الأسر، وتوفر للطلاب وجبة تحفظ صحتهم وتخفف العبء عن أولياء الأمور.

 

ثالثًا: إعادة تأهيل المعلمين نفسيًا وتربويًا، ليس فقط في طرق الشرح، بل في كيفية التعامل الإنساني مع الطلاب، خاصة في المدارس الشعبية التي تضم أبناء البسطاء.

 

رابعًا: فتح قنوات حقيقية للتواصل بين الوزارة وأولياء الأمور، لسماع مشكلاتهم بدل تجاهلها.

 

كيس الفول لم يكن إهانة… الإهانة الحقيقية هي أن نفقد الإحساس بمعاناة أبنائنا.

كيس الفول لم يكن مخالفة… المخالفة هي أن يتحول التعليم إلى بيئة طاردة للفقراء بدل أن يكون طريقهم الوحيد للنجاة.

 

هذه الطالبة لم تخطئ… بل كشفت لنا جميعًا أن هناك جوعًا أكبر من جوع المعدة… جوعًا إلى الرحمة، وإلى العدالة، وإلى نظام تعليمي يعامل أبناءه كبشر لا كأرقام.

 

فهل ننتبه قبل أن تتحول هذه الوقائع إلى قاعدة؟

وهل نتعلم أن نرى في “كيس الفول” قصة كفاح… لا مادة للسخرية؟

 

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *