بقلم: عبدالحافظ الرواس
تضربُ الجذورُ العُمانية في أعماق التاريخ الإنساني، ليس كمجرد حيزٍ جغرافي عابر، بل ككيانٍ حضاري صلب، تشكّل من مزيجٍ فريد بين صلابة الجبال وشموخها، وسعة البحر وانفتاحه. على مرّ العصور والدهور، لم تكن عُمان مجرد شاهد على الأحداث، بل كانت فاعلاً ومؤثراً، وصخرةً عاتية تكسرت عند أقدامها أطماع الغزاة، وتبددت أمام وعي شعبها مكايد الحاقدين. إن الحديث عن عُمان ليس حديثاً عن دولةٍ عادية، بل هو قراءة في سيرة “وطنٍ عصيٍّ على الانكسار”، استطاع بموروثه الأخلاقي وحنكته السياسية أن يظل واحة للأمن ومنارة للاستقرار في منطقةٍ لم تهدأ عواصفها يوماً.
### عُمان.. التاريخ الذي لا يشيخ
حين نتأمل في سفر التاريخ العُماني، نجد أننا أمام ملحمة صمود لا تنتهي. منذ آلاف السنين، حين كانت القوافل التجارية تخرج من ظفار محملة باللبان، والسفن تمخر عباب المحيط حاملةً اسم “مجان” إلى حضارات الرافدين والنيل، كان الإنسان العُماني يبني مجده بجهده وعرقه. هذا البناء لم يكن مادياً فحسب، بل كان بناءً نفسياً ووجدانياً أساسه الاعتداد بالنفس والترفع عن الصغائر.
لقد تعرضت عُمان عبر تاريخها الطويل لمحاولات غزوٍ واستعمارٍ عديدة، من البرتغاليين الذين أرادوا السيطرة على طرق التجارة العالمية، إلى القوى الإقليمية والدولية التي حاولت فرض وصايتها. ولكن، وفي كل مرة، كانت الصخرة العُمانية تزداد صلابة. استطاع العمانيون، بوحدتهم وإيمانهم بترابهم، أن يطردوا المحتلين ويقيموا إمبراطورية بحرية امتدت من سواحل الخليج العربي إلى شرق أفريقيا، ليس كقوة استعمارية غاشمة، بل كقوة حضارية نشرت الإسلام والتجارة والقيم العربية الأصيلة.
### الفلسفة العُمانية في مواجهة الأحقاد
ما الذي يجعل عُمان استثناءً؟ وما هو السر الكامن وراء تكسر الأحقاد والمكايد على حدودها؟ الإجابة تكمن في “المنظومة الأخلاقية” التي تحكم الدولة والمجتمع. لقد آمن العمانيون، قادةً وشعباً، بمبدأ “السلام النابع من القوة، والحياد النابع من الحكمة”.
في الوقت الذي تنجرف فيه الكثير من القوى نحو المحاور المتصارعة، تختار عُمان دائماً أن تكون “الجسر” لا “الجدار”. هذا النهج ليس ضعفاً، بل هو ذروة القوة. إن الحاقدين الذين حاولوا مراراً جرّ عُمان إلى معارك جانبية أو فتنٍ طائفية أو انقسامات مذهبية، وجدوا أنفسهم أمام جدارٍ صلب من الوحدة الوطنية. في عُمان، يذوب المذهب في بوتقة الوطن، وتتلاشى القبلية أمام هيبة الدولة، ويصبح الجميع جنوداً لحماية هذه التربة الطاهرة.
### عبقرية القيادة: من القائد المؤسس إلى نهضة المتجدد
لا يمكن الحديث عن صمود عُمان دون استحضار الدور العظيم الذي لعبه السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-. لقد تسلم جلالته مقاليد الحكم في ظروفٍ بالغة التعقيد، محلياً وإقليمياً، لكنه ببعد نظره استطاع أن يحول عُمان من دولةٍ تعاني من التمزق والفقر إلى دولة عصرية يشار إليها بالبنان.
السلطان قابوس بنى “الإنسان العُماني” قبل أن يبني الحجر. غرس في نفوس أبنائه قيم التسامح والترفع عن الأحقاد، وعلّمهم أن عُمان أكبر من كل الخلافات. وتحت ظله، تكسرت كل المكايد التي كانت تحاك ضد وحدة البلاد، فتحول الخصوم إلى إخوة، والفرقة إلى وحدةٍ صماء.
واليوم، يواصل السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- هذا النهج بوعيٍ متقد وحكمةٍ بالغة. إن “نهضة عُمان المتجددة” ليست مجرد شعار، بل هي استمرار لصلابة تلك الصخرة. في عهد جلالته، نرى عُمان تواجه التحديات الاقتصادية والسياسية العالمية بثبات، متمسكةً بثوابتها السياسية التي لا تحابي أحداً على حساب مصلحة الوطن واستقراره. إن الانتقال السلس والمبهر للسلطة في عُمان كان بحد ذاته “صفعة” في وجه المتربصين الذين راهنوا على الفوضى، ليثبت العمانيون للعالم أجمع أن بيتهم مبنيٌّ على أسسٍ من حديد.
### الشخصية العُمانية: السد المنيع ضد المكايد
إن السر الحقيقي وراء تحطم المكايد على عتبات عُمان هو “المواطن العُماني”. يتميز العُماني بصفاتٍ نادرة: الرزانة، الهدوء، والولاء المطلق للأرض. العُماني لا ينجر خلف الإشاعات، ولا تستهويه الشعارات الزائفة التي تطلقها أبواق الفتنة من الخارج.
هناك وعيٌ شعبي فطري بأن استقرار الوطن هو الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه. هذا الوعي هو الذي أفشل كل محاولات التدخل الخارجي أو التأثير على القرار السيادي العُماني. لقد أدرك الأعداء، قبل الأصدقاء، أن الدخول في نسيج المجتمع العُماني لمحاولة تمزيقه هو دربٌ من الخيال، لأن العُماني تربى على أن “الوطن أمانة”، وأن أي يدٍ تمتد للإساءة إليه يجب أن تُقطع بحزم الحكمة وقوة القانون.
### عُمان والدبلوماسية الوقائية: كسر قيود الأحقاد الإقليمية
تعيش منطقتنا العربية والإقليمية في محيطٍ من الحروب والنزاعات والصراعات الطائفية. وفي وسط هذا اللهب، تظل عُمان “واحة السلام”. لم يكن هذا بالصدفة، بل كان نتيجة سياسة خارجية فريدة تسمى “الدبلوماسية الوقائية”.
عُمان لا تصدر الأزمات، ولا تتدخل في شؤون الآخرين، وفي المقابل، لا تسمح لأحدٍ كائناً من كان أن يتدخل في شؤونها. هذه المسافة المتساوية التي تقفها عُمان من الجميع جعلتها “صمام أمان” للمنطقة بأسرها. كم من حريقٍ أخمدته الحكمة العُمانية؟ وكم من مكيدةٍ كانت تحاك لتفجير المنطقة تكسرت بفضل الوساطة العُمانية الصادقة؟
الحاقدون الذين يغيظهم هذا الاستقرار حاولوا مراراً التشكيك في مواقف عُمان، ووصفوا حيادها بأوصافٍ شتى، لكن الأيام كانت دائماً تثبت صدق الرؤية العُمانية. فبينما كانت الدول تنجرف نحو حروبٍ عبثية، كانت عُمان تبني الإنسان، وتمد يد العون للمتضررين، وتفتح أبوابها للحوار بين الفرقاء. هذا السمو الأخلاقي هو الذي جعل المكايد ترتد إلى نحور أصحابها.
### الصمود الاقتصادي والاجتماعي في وجه العواصف
لا تقتصر المكايد على الجوانب السياسية والعسكرية، بل تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. لقد واجهت عُمان، مثلها مثل دول العالم، أزمات اقتصادية عالمية وتراجعات في أسعار النفط، وراهن البعض على أن هذه الضغوط ستزعزع الاستقرار الداخلي.
ولكن، جاء الرد العُماني حاسماً. من خلال رؤية “عُمان 2040″، بدأت الدولة في إعادة هيكلة اقتصادها بجرأة وحكمة، مع الحفاظ على التماسك الاجتماعي. الصخرة العُمانية هنا تجلت في صبر الشعب وثقته في قيادته. لم يخرج العماني ليحرق مقدرات وطنه، بل وقف مسانداً للإصلاحات، مدركاً أن التضحية الحالية هي جسرٌ نحو مستقبلٍ أمن للأجيال القادمة.
### عُمان.. القلعة التي لا تُهزم بالكلمات
في عصر الفضاء المفتوح والحروب السيبرانية، تعرضت عُمان لحملات تشويهٍ ممنهجة من قبل حسابات وهمية وأقلامٍ مأجورة حاولت النيل من رموزها أو التشكيك في وحدتها. لكن هذه “الفقاعات” تلاشت بسرعة أمام صلابة الجبهة الداخلية.
إن الوعي الرقمي والثقافي لدى العمانيين جعلهم يدركون أن هذه المكايد ما هي إلا محاولات يائسة لزعزعة نموذجٍ فريد من التعايش. عُمان، بتركيبتها الديموغرافية المتناغمة، أثبتت أن التعدد هو مصدر قوة وليس سبب ضعف. في كل زاوية من زوايا عُمان، من مسندم إلى ظفار، ومن صور إلى البريمي، تجد نسيجاً واحداً يرفض الغريب الماكر، ويحتفي بالقريب الصادق.
### جبال عُمان.. شاهدة على انكسار الأطماع
إذا نطق التاريخ، فستتحدث جبال “الحجر” وجبل “سمحان” عن الغزاة الذين حاولوا يوماً موطئ قدمٍ في هذه الأرض، وكيف استحال طمعهم سراباً. هؤلاء الذين جاءوا بأساطيلهم وجيوشهم، رحلوا وبقيت عُمان. وهؤلاء الذين حاكوا الدسائس في الغرف المظلمة، سقطت أقنعتهم وبقيت عُمان شامخة.
إن عُمان لا تعادي أحداً، لكنها لا تقبل الضيم. ومن يقرأ الشخصية العمانية بعمق، يدرك أن خلف ذلك الهدوء والابتسامة الصادقة، تكمن قوة إرادة لا تلين، وبأسٌ شديد حين يُمسّ حياض الوطن. هذه الأرض التي سُقيت بدماء الشهداء وعرق البناة، لا يمكن أن تكون لقمة سائغة لأي طامع أو حاقد.
### الخاتمة: عُمان.. قدرُ الشموخ
ختاماً، إن عُمان ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل هي قيمةٌ نعيشها. هي الصخرة التي ستبقى صلبة مهما اشتدت الرياح، ومهما تلاطمت أمواج الأحقاد والمكايد. إن سر بقاء عُمان قوياً عبر العصور يكمن في ذلك “العقد الفريد” بين القيادة والشعب، وفي التمسك بالهوية العمانية الأصيلة التي ترفض التبعية وتعتز بالسيادة.
سيسجل التاريخ أن عُمان ظلت دائماً اليد التي تزرع السلام، والقلب الذي يتسع للجميع، والصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات النيل من كرامة العرب واستقرار المنطقة. ستبقى عُمان، بإذن الله، عزيزةً مقتدرة، يقودها سلطانٌ حكيم، ويحميها شعبٌ وفيّ، ويحرسها تاريخٌ عظيم لا يقبل إلا القمة مكانًا له.
فليعلم القاصي والداني، أن عُمان ما كانت يوماً عابرة في التاريخ، بل هي صانعة التاريخ، ومن أراد أن يختبر صلابة صخورها، فعليه أن يراجع دروس الماضي، ليدرك أن المكايد تذوب، والأحقاد تموت، وعُمان وحدها هي التي تبقى وتنتصر.

اترك تعليقاً