بقلم / سحر مهني
بينما تتسابق الأمم في مضمار “اقتصاد المعرفة” وتحويل المختبرات إلى محركات للمستقبل، تبرز في واقعنا مفارقة صادمة؛ فالعقل الذي يبهر العالم في الخارج، هو نفسه الذي يُخنق في الداخل. لم يعد السؤال “لماذا يهاجر العلماء؟” هو الأهم، بل السؤال الأكثر مرارة: لماذا يُجبرون على الهروب كشرط وحيد للبقاء؟
العبقرية كـ “تهمة” وخروج عن الصف
في ردهات بعض الجامعات والمؤسسات العلمية، تحول “النبوغ” من ميزة تُحتفى بها إلى “خروج عن الصف” يستوجب العقاب. يولد العالم في بلادنا وبجواره خصومه قبل أبحاثه؛ فالتفكير خارج الصندوق يُنظر إليه كتهديد للمنظومة الراكدة، والنجاح المبكر للتلميذ قد يتحول إلى كابوس لدى أستاذه الذي أصيب بـ “حساسية النجاح”.
إن قصة الدكتور “ضياء”، الذي دفع مستقبله ثمنًا لمحاولة التغيير، ليست مجرد مأساة فردية، بل هي “مرآة كاشفة” لواقع المؤسسات التي تمارس الإعدام المعنوي ضد كل من يحاول تحريك المياه الآسنة. حين تتحول الأيدي التي يُفترض أن تبني الجسور إلى معاول لهدم الطموح، نحن لا نفقد أفراداً فحسب، بل نفقد مستقبلاً بأكمله.
المفارقة القاسية: زهور لا تزهر إلا في شمس الغرب
تطل علينا نماذج مثل “كريم علي” وغيره من آلاف المبدعين الذين لم يجدوا في وطنهم سوى “بيروقراطية متحجرة” و”لوائح مقيدة”. هناك في الخارج، لا يُسأل العالم عن “انتمائه” أو “وساطته”، بل يُسأل: “ماذا تستطيع أن تقدم؟”.
هذه هي “الفلترة” الحقيقية؛ فأحمد زويل لم يصبح “زويل” الذي نعرفه إلا حين وجد سماءً لا تقص أجنحته، ومجدي يعقوب لم يحلق بجراحته إلا حين تحرر من “مفرمة” الإدارة التي تبتلع العقول. العبقرية لا تفشل بيولوجياً، بل تُطفأ إدارياً ونفسياً بفعل فاعل.
متاهة الماجستير والدكتوراه.. طموح بختم “الانتظار”
يتحول مسار البحث العلمي لدى الباحثين الشباب إلى “رحلة تعذيب” داخل أروقة الروتين. كل فكرة جديدة تصطدم بجدار “هذا ما وجدنا عليه آباءنا”، وكل طموح يُذبح على أعتاب الأختام والطلبات الورقية التي لا تنتهي. يتحول العلم من “رسالة سامية” إلى “عبء ثقيل”، ويصبح الحلم تهمة تطارد صاحبها حتى يلفظه الوطن أو يلفظ هو أحلامه مرغماً.
صرخة أخيرة: الأمم تموت بمحاربة عقولها
إن استمرار هذا النهج في تحويل العبقرية إلى “جنازة” هو إعلان صريح عن انتحار حضاري. الأمم لا تنهار بسبب نقص الموارد المالية، بل تنهار حين تصبح بيئتها “طاردة للذكاء” و”جاذبة للخمول”.
“أفيقوا”.. ليست مجرد كلمة، بل هي استغاثة أخيرة قبل أن تخلو المختبرات من ساكنيها، ونبحث عن علمائنا في نشرات الأخبار الأجنبية والجوائز الدولية لنفتخر بهم “صورياً” بعد أن طردناهم “فعلياً”. كفى وأداً للنبوغ، وكفى تحويلاً للمؤسسات العلمية إلى “غرف خنق” للأحلام، فإن الوطن الذي لا يحتمل نبوغ أبنائه، هو وطن يكتب بيده شهادة وفاته العلمية.

اترك تعليقاً