مصطفى جمال: سوق العمل يتغير.. وتأهيل الشباب ضرورة لمواكبة وظائف المستقبل
مصطفى جمال: ربط التعليم باحتياجات الإنتاج وتطوير التدريب المهني طريق تحويل الشباب إلى قوة اقتصادية
أكد مصطفى جمال، عضو المجلس الوطني للشباب والمحاضر بمركز المعرفة للتنمية والدراسات الاستراتيجية، أن سوق العمل المصري يشهد تحولات مهمة في ظل تراجع معدلات البطالة والتوسع في المشروعات القومية والاستثمارية، مشددًا على أن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لا يقتصر على توفير فرص عمل جديدة، وإنما يمتد إلى إعداد كوادر بشرية مؤهلة تمتلك المهارات اللازمة لشغل هذه الوظائف وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وصرح مصطفى جمال خلال لقاءه مع برنامج اقتصاد ٢٤ بالقناة الأولى بأن الاستثمار في الإنسان يمثل أحد أهم مقومات نجاح الاقتصادات الحديثة، موضحًا أن مصر تمتلك ثروة بشرية كبيرة من الشباب، وهو ما يتطلب وضع رؤية متكاملة لتحويل هذه الطاقة إلى قوة إنتاجية قادرة على دعم التنمية وزيادة الصادرات وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق المحلية والعالمية.
وأضاف أن معدلات البطالة شهدت تراجعًا ملحوظًا مقارنة بمستوياتها في عام 2013، عندما بلغت نحو 13%، مشيرًا إلى أن هذا التحسن يعكس أهمية المشروعات التنموية والاستثمارية في توفير فرص العمل، لكنه يتطلب في الوقت نفسه تطوير منظومة التعليم والتدريب لضمان توافق مهارات الشباب مع احتياجات أصحاب الأعمال والقطاعات الإنتاجية المختلفة.
وأوضح عضو المجلس الوطني للشباب أن سوق العمل يواجه تحديًا رئيسيًا يتمثل في الفجوة بين أعداد الخريجين والفرص المتاحة، ومدى امتلاك المتقدمين للوظائف المهارات المطلوبة، لافتًا إلى أن توفير مئات الآلاف من فرص العمل سنويًا لا يعني بالضرورة قدرة جميع الباحثين عن عمل على شغلها، ما لم تتوافر لديهم الكفاءة والتأهيل المناسبان.
وشدد مصطفى جمال على أن المرحلة المقبلة تتطلب تغيير النظرة التقليدية إلى التعليم والتوظيف، بحيث لا تكون الشهادة الدراسية وحدها معيارًا للحصول على فرصة عمل، وإنما تصبح المهارة والخبرة والقدرة على الابتكار والإنتاج هي المحددات الأساسية، خاصة في ظل انتقال المنافسة الاقتصادية من الاعتماد على العمالة الأقل تكلفة إلى استقطاب العمالة الأعلى كفاءة وقدرة على تقديم قيمة مضافة.
وأشار مصطفى جمال إلى أن التغيرات التكنولوجية المتسارعة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، تفرض ضرورة تطوير المهارات المهنية بصورة مستمرة، موضحًا أن وظائف المستقبل لن تعتمد فقط على المؤهلات التقليدية، بل ستحتاج إلى قدرات رقمية وتحليلية ومهنية متجددة، بما يضمن قدرة الشباب على مواكبة التطورات العالمية.
واستشهد مصطفى جمال بتقديرات منتدى الاقتصاد العالمي بشأن تحولات الوظائف حتى عام 2030، والتي تشير إلى إمكانية ظهور نحو 170 مليون وظيفة جديدة عالميًا، مقابل إزاحة أو تحول نحو 92 إلى 93 مليون وظيفة، مؤكدًا أن هذه التغيرات لا تعني بالضرورة اختفاء الوظائف بالكامل، وإنما تعكس تغير طبيعة كثير منها والمهارات المطلوبة لأدائها.
وأكد مصطفى جمال أن مواجهة هذه التحولات تستلزم إعادة النظر في المناهج التعليمية وربطها بالاحتياجات الفعلية للاقتصاد المصري، من خلال تحديد التخصصات المطلوبة في قطاعات الهندسة والبرمجة والرعاية الصحية والتكنولوجيا والصناعة والحرف المهنية، بما يحقق التوازن بين مخرجات التعليم ومتطلبات التنمية.
وأضاف مصطفى جمال أن وزارة العمل تمتلك منظومة للتدريب والتأهيل تضم 86 مركز تدريب ثابتًا و38 مركزًا متنقلًا يصل إلى مختلف المحافظات، موضحًا أن هذه المنظومة تمثل إحدى الأدوات المهمة لتأهيل الشباب، لكنها تحتاج إلى تعزيز الوعي المجتمعي ببرامجها وتخصصاتها والمسارات المتاحة للاستفادة منها، إلى جانب توسيع الشراكة مع القطاع الخاص والمؤسسات التعليمية.
ولفت مصطفى جمال إلى أهمية المبادرات التي تستهدف تعريف الشباب بفرص العمل الخارجية ومتطلباتها، مشيرًا إلى منتدى «بوابة أوروبا» وما يتيحه من فرص للتوعية بمتطلبات سوق العمل الأوروبي، بالتعاون مع جهات من بينها معهد جوته والسفارة الألمانية والمركز المصري الألماني، والتعريف بمنصة «Make it in Germany» المعنية بتوفير معلومات عن العمل والحياة المهنية في ألمانيا.
وأوضح مصطفى جمال أن الاستفادة من فرص العمل الدولية تتطلب التمييز بين الوظائف المهنية والحرفية والوظائف التي تحتاج إلى مؤهلات علمية وتخصصية، بما يساعد على تصميم برامج تدريب مناسبة لكل فئة، مؤكدًا ضرورة التحرك السريع لتحديد احتياجات الاقتصاد المصري من المهندسين والمبرمجين والأطباء والفنيين والحرفيين، وتوجيه برامج التعليم والتدريب وفقًا لهذه الاحتياجات.
وأشار مصطفى جمال إلى أن مستهدف توفير نحو مليون و300 ألف فرصة عمل بحلول عام 2030 أو 2031، وفق التصريحات التي تناولها خلال اللقاء، يعكس أهمية مواصلة التوسع في الأنشطة الإنتاجية والاستثمارية، لكنه شدد على أن تحقيق هذا الهدف يرتبط بقدرة الاقتصاد على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل وتوفير وظائف مستدامة تتناسب مع مؤهلاتهم وقدراتهم.
وضرب مصطفى جمال أمثلة بالتجربتين الصينية والهندية في الاستفادة من الموارد البشرية وتطوير الصناعات والتكنولوجيا والصادرات، موضحًا أن نجاح الدول في خلق فرص عمل يرتبط بقدرتها على بناء قاعدة إنتاجية قوية وتوسيع الصناعات ذات الكثافة التشغيلية، وليس بمجرد زيادة أعداد الخريجين أو الاعتماد على تصدير العمالة.
وأضاف مصطفى جمال أن تجربة فيتنام تقدم نموذجًا مهمًا في تعظيم القيمة المضافة من خلال الإنتاج والتصدير، مؤكدًا أن المطلوب هو بناء اقتصاد قادر على جذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل داخل مصر، بحيث لا تقتصر الاستفادة من الكفاءات المصرية على سفر الشباب إلى الخارج، بل تمتد إلى جذب الأسواق والاستثمارات للإنتاج داخل الأراضي المصرية.
وشدد مصطفى جمال على ضرورة الاهتمام بجودة فرص العمل وليس عددها فقط، موضحًا أن توفير وظيفة لا يحقق الهدف المنشود إذا كان دخلها لا يتناسب مع تكاليف المعيشة أو كانت ظروف العمل لا تضمن الاستقرار والحماية اللازمة للعامل، وهو ما يتطلب تعزيز الوعي بحقوق العمال وتطوير بيئة العمل وتحسين العلاقة بين المهارات والأجور والإنتاجية.
وأكد مصطفى جمال أهمية استدامة فرص العمل التي توفرها المشروعات القومية، خاصة أن جانبًا من الوظائف يرتبط بمراحل البناء والتشييد، ما يطرح ضرورة الاستفادة من خبرات العمالة بعد انتهاء هذه المشروعات، وإعادة تأهيلها للانتقال إلى قطاعات إنتاجية وخدمية أخرى.
وأوضح مصطفى جمال أن استمرار مشروعات استصلاح الأراضي والتوسع العمراني وإنشاء الطرق ومحطات الكهرباء وتطوير المناطق الاقتصادية، وفي مقدمتها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، يتيح فرصًا لدعم التشغيل، شريطة ربط هذه المشروعات بتطوير الصناعة والتصنيع المحلي وتعزيز سلاسل الإنتاج.
واختتم مصطفى جمال تصريحاته بالتأكيد على أن مسؤولية إعداد الشباب لوظائف المستقبل لا تقع على وزارة العمل وحدها، بل تتطلب تكامل جهود وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والشباب والرياضة، إلى جانب مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والإعلام، لنشر الوعي بمتطلبات سوق العمل ومسارات التدريب والتأهيل.
وشدد على أن الهدف الاستراتيجي يتمثل في تحويل الثروة البشرية المصرية إلى قوة اقتصادية منتجة، وبناء اقتصاد لا يكتفي بتصدير المواد والمنتجات، وإنما يضيف قيمة حقيقية لما يتم تصنيعه داخل البلاد، بما يدعم التنمية المستدامة ويوفر فرص عمل أفضل للشباب.

اترك تعليقاً