بقلم: سحر مهني
يطرح المشهد الثقافي والاجتماعي المعاصر تساؤلات ملحة حول حدود المفاهيم الكبرى التي تُرفع كشعارات مقدسة، وعلى رأسها مفهوم “الحرية الشخصية” الذي تنادي به المدارس العلمانية الغربية، وتتبعه وتستنسخه نخبة من التيارات العلمانية والليبرالية العربية. فبينما يُطالعنا الخطاب العلماني دائماً بقاعدة فضفاضة تفيد بأن “كل إنسان حر فيما يختار، وللجميع الحق في ممارسة حياتهم بالشكل الذي يروقهم دون وصاية من أحد”، يبدو هذا المبدأ رصيناً ومبرراً للوهلة الأولى. لكن ما إن يُختبر هذا المبدأ على أرض الواقع حتى تطفو على السطح مفارقات صارخة وازدواجية فجة في المعايير.
الحرية المطلقة.. لمن؟
على الصعيد النظرى، ترفع العلمانية شعار الحياد تجاه القيم، وتعتبر أن الفضاء العام مفتوح لخيارات الأفراد. وفي التطبيق العملي، تجد أن بعض السلوكيات الخارجة عن المألوف أو المجاهرة بالمعاصي والمخالفات الأخلاقية العامة تُواجه بتبريرات فضفاضة تحت مظلة “الحرية الفردية”. فإذا ظهر أحدهم بهيئة غريبة، أو ارتكب سلوكاً يتنافى مع القيم الأخلاقية الأصيلة في الشارع، يُقابل الأمر أحياناً بتساهل لافت أو بدفاع مستميت تحت ذريعة أن “كل شخص حر في تصرفاته ما دام لا يؤذي أحداً بشكل مباشر”.
هذا التسامح المفرط مع السلوكيات الفردية المتحللة من الضوابط الأخلاقية أو الدينية يُمثل الجانب الأول من المفارقة؛ فهو متسامح إلى حد التميع مع كل ما هو هابط أو مصادم للفطرة السليمة.
المحظور الحقيقي.. عندما يتعلق الأمر بالدين!
لكن، ما إن ينتقل المشهد إلى الجانب الديني، وتحديداً المظاهر الإسلامية، حتى ينقلب السحر على الساحر، وتتغير قواعد اللعبة تماماً.
هنا تتوارى شعارات “الحرية الشخصية” وتتبخر مبادئ “احترام اختيارات الآخرين”، لتبحل محلها لغة الحظر والمنع والوصاية الثقافية:
النقاب والحجاب: إذا اختارت امرأة أن ترتدي النقاب أو الحجاب قناعةً واختياراً، يُقال لها فجأة: “لستِ حرة، هذا مظهر رجعي يجب منعه”، أو تفرض القوانين في بعض الدول قيوداً صارمة تحرمهن من حريتهن في اختيار لباسهن.
العبادات الظاهرة: إن التمسك بالشعائر كالصلاة والصيام أو الالتزام بالخط العام للدين في الفضاء العام، يُقابل أحياناً بالنقد الحاد أو التوجس بدعوى تهديد “مدنية الدولة” أو “الهوية العلمانية”.
فلماذا تتحول الحرية إلى جريمة وتصبح الاختيارات الشخصية خطاً أحمر حين تتعلق بالهوية الإسلامية، بينما تصبح مقدسة ولا تُمس حين تتعلق بالانفلات الأخلاقي أو التحلل؟
أزمة العلماني العربي.. استنساخ بلا وعي
تتجلى هذه الازدواجية بأوضح صورها لدى بعض التيارات العلمانية في العالم العربي. فبدلاً من صياغة خطاب وطني منصف يراعي خصوصية المجتمعات وهويتها الثقافية والدينية، نجد محاكاة عمياء للنموذج الغربي بأسSوء نسخه، حيث تُشحن الخطابات لمهاجمة كل مظهر من مظاهر التدين، بينما يُغض الطرف تماماً أو يُبرر كل ما هو وافد وهادم للقيم الاجتماعية.
يبدو أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في “الحرية” كقيمة إنسانية نبيلة، بل في الانتقائية التي تُدار بها هذه المفاهيم. فعندما يُستخدم الشعار كأداة أيديولوجية لإقصاء الدين وتفريغ الفضاء العام من أي روح إيمانية، فإنه يفقد مصداقيته بالكامل ليتحول من “حرية” إلى “وصاية أيديولوجية جديدة” ولكن بثوب مختلف.
خلاصة القول
إن الحرية الحقيقية لا تتجزأ؛ فلا يمكن أن يكون الإنسان حراً في التخلي عن قيمه ومبادئه، وفي الوقت نفسه ممنوعاً من التمسك بدينه وهواره واختياراته الشخصية المشروعة. إن الكيل بمكيالين في التعامل مع الحريات هو الذي يُفقد الخطاب العلماني مشروعيته في وجدان الشعوب، ويجعله يبدو في نظر الكثرة وكأنه مشروع استئصالي يهدف إلى طمس الهوية أكثر من كونها دعوة للتعايش وقبول الآخر.

اترك تعليقاً