الليث بن سعد: إمام مصر الذي أثرى الفقه وجاد بماله حتى فاق الملوك

 

بقلم سحر مهني

 

في تاريخ مصر الإسلامي، لم تكن الكنانة مجرد معبر للفتوحات أو ولاية تابعة للمركز، بل كانت منارة علمية يُشار إليها بالبنان. وفي العصر الذهبي لـ “التابعين” وتابعي التابعين، برز اسم رجلٍ واحد اختصر في شخصيته الفقه والعلم والكرم والجاه، حتى قال عنه الإمام الشافعي جملته الشهيرة: «الليثُ أفقهُ من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به»؛ إنه الإمام الليث بن سعد، سليم الفهم، وعلم مصر الشامخ.

نشأة في قلب مصر وعلم أضاء العالم

ولد الليث بن سعد بن عبد الرحمن في قرية “قرقشند” بمحافظة القليوبية سنة 94 هجرية، لنشأة يملؤها الشغف بالعلم. طاف بلاد الحجاز والشام والعراق، وأخذ عن كبار التابعين ومحدثي عصره، مثل ابن شهاب الزهري ونافع مولى ابن عمر، حتى استقر في الفسطاط ليكون “مفتي الديار المصرية” ومرجعها الأول في الفقه والحديث.

لم يكن الليث مجرد عالم يروي النصوص، بل كان صاحب مدرسة فقهية مستقلة تراعي المقاصد وأحوال المجتمع المصري وبيئته الزراعية والاجتماعية، وهو ما جعل الشافعي يأسف لاضاعة فقهه وعدم تدوينه كباقي المذاهب.

سلطان العلم والجاه: حبيب الفقراء ومهاب السلاطين

تميز الإمام الليث بن سعد بجمع عجيب بين الغنى الفاحش والزهد المطلق؛ فقد كان من أغنى أغنياء عصره، حيث يأتيه دخل هائل من تجارته وأراضيه الزراعية، لكنه لم يتكدر بجمع المال قط، بل كان ينفقه كله في وجوه الخير.

جود بلا حدود: يُحكى أنه لم تجب عليه زكاة قط في حياته؛ ليس بخلاً -حاشاه- بل لأنه كان ينفق كل ماله قبل أن يحول عليه الحول!

قضاء حوائج الناس: كان يخصص مائدي يومياً للفقراء وأهل العلم، وكانت صلاته ومساعداته تصل إلى الأئمة والعلماء في المدينة والشام؛ فقد أرسل للإمام مالك بن أنس مائة دينار ذهبية عندما علم بضائقة ألمت به.

حائط صد ضد الظلم ومصلح بين الحكام والشعب

كان لليث بن سعد هيبة ووقار لا يملكها إلا الملوك، وكانت كلمته قاطعة عند خلفاء الدولة العباسية كأبي جعفر المنصور والمهدي والهارون الرشيد.

واستغل هذه الهيبة دائماً لحماية أهل مصر؛ فكان يقف بوجه الوالاة إذا ظلموا، ويصلح شؤون الرعية، وينصف مظلوماً أو يقضي دين غارم، حتى سمي “أمير مصر الفعلي” لحب الناس له والانقياد لرأيه.

الخاتمة: رحيل أمة وذكرى خالدة

توفي الإمام الليث بن سعد سنة 175 هجرية، وشيعته مصر في مشهد جنائزي لم تشهد له مثيلاً، حيث خرجت الفسطاط عن بكره أبيها حزناً على رحيل “سيد أهل مصر”.

ويربض مقامه ومسجده الشهير اليوم في منطقة “القرافة الصغرى” بالقاهرة، شاهداً على أن الكنانة أهدت للأمة الإسلامية قامة علمية وإنسانية لم تتكرر، جمعت بين نور الفقه وجود اليد وكرامة الموقف.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *