كتبت سحر مهني
لم تكن “بدوية محمد كريم النيداني” مجرد راقصة استثنائية متربعة على عرش الفن الشرقي، بل كانت شخصية وطنية وسياسية حافلة بالمواقف الجريئة التي تجاوزت حدود الشاشة الفضية، لتسجل اسمها في التاريخ كواحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً ودراماتيكية في مصر والعالم العربي.
من جحيم القسوة إلى أضواء القاهرة
ولدت تحية كاريوكا في محافظة الإسماعيلية عام 1919، وشهدت بداياتها معاناة إنسانية قاسية عقب وفاة والدها، حيث واجهت معاملة صارمة من شقيقها الذي حاول منعها بالقوة من ممارسة شغفها بالرقص. وفي سن الخامسة عشرة، اتخذت قرارها الجريء بالهروب إلى القاهرة، لتبدأ مشوارها كـ “كومبارس” في صالة رتيبة وأنصاف، قبل أن تكتشفها الفنانة بديعة مصابني وتمنحها الفرصة لتتحول في وقت قياسي من راقصة بأجر زهيد إلى الراقصة الأولى في مصر.

في عام 1940، تبنت رقصة “الكاريوكا” القادمة من الفيلم الأمريكي “الطريق إلى ريو” بتوجيه من مصمم الرقصات إسحاق ديكسون، لتتقنها ببراعة ارتبط بها اسمها الفني طوال حياتها. ورغم العروض العالمية التي لاحقتها — ومنها عرض النجمة الأمريكية آن شيريدان لزيارة هوليوود، وتوقيع عقد مع شركة “فوكس” العالمية عام 1945 — إلا أن تحية آثرت العودة إلى مصر والتخلي عن “الحلم الأمريكي” لتستكمل مسيرتها على أرض وطنها.
نضال سياسي وتهريب «رئيس المستقبل»
لم يقتصر دور كاريوكا على الخشبة والمشاهد السينمائية، بل انخرطت في العمل الوطني بجرأة أذهلت الجميع. ففي أعقاب اغتيال أمين عثمان عام 1946، ساهمت بشكل مباشر في تهريب الشاب (آنذاك) أنور السادات من ملاحقة الاحتلال الإنجليزي؛ حيث خفّضت هيئته بزيّ سائق وخبأته في سيارتها لنقله إلى الإسماعيلية، ليقيم ببيت أختها متخفياً في هيئة عامل مزرعة لقرابة العامين.

هذا الانحياز السياسي قادها لاحقاً إلى المواجهة مع السلطة؛ ففي عام 1953، وخلال زواجها من أحد الضباط الأحرار، أُلقي القبض عليها بتهمة توزيع منشورات ومحاولة قلب نظام الحكم، لتخوض تجربة السجن لمدة 101 يوم. وهناك، أطلقت على نفسها الاسم الحركي «عباس»، وتحولت إلى زعيمة لعنبر السجون تتفاوض لتحسين أوضاع السجينات، ومطالبة بوقف التعذيب، فضلاً عن تنظيم صفوف لمحو الأمية بين السجينات.
إرث سينمائي وأيقونة ثقفية
مع اعتزالها الرقص في الخمسينيات وتفرغها الكامل للتمثيل، قدمت تحية كاريوكا للسينما العربية أعمالاً حُفرت في ذاكرة التاريخ، أبرزها: لعبة الست، شباب امرأة، أم العروسة، وخلي بالك من زوزو. وقد حظيت موهبتها بإشادات واسعة من كبار المفكرين والناقدين، وكان من أبرزهم المفكر العالمي إدوارد سعيد، الذي دوّن في مذكراته انبهاره الأبدي برقصها ووصفه بـ “الفن العظيم”.
حياة شخصية عاصفة ونهاية مؤثرة
على الصعيد الشخصي، عاشت كاريوكا حياة مليئة بالتقلبات؛ إذ تزوجت 17 مرة، كان من أبرزها زواجها من الفنان رشدي أباظة، والكاتب فايز حلاوة، والطيار حسين عاطف. ورغم عدم إنجابها، إلا أنها احتضنت طفلة أطلقت عليها اسم “عطية الله”، لترافقها في أواخر أيامها.
وظلت تحية كاريوكا رمزاً للجدعنة والشهامة حتى رحيلها في معهد ناصر عام 1999 عن عمر يناهز 84 عاماً إثر أزمة تنفسية حادة، تاركةً خلفها تاريخاً حافلاً بالجرأة والفن والمواقف الوطنية التي لا تُنسى.

اترك تعليقاً