التاريخ العربي من الماضي للحاضر 

 

 

كتبت سحر مهني

 

 

يعتبر بعض المؤرخين وعلماء الآثار والأجناس أن هذه المنطقة من العالم قد شهدت فوق أرضها قيام أحد أقدم التجمعات والحضارات البشرية منذ آلاف السنين، يشهد على ذلك ما تمَّ إكتشافه من آثار وكتابات قديمة تؤكد ثبوت هذه النظرية وصحتها، ولعلَّ أكثر ما يدعمها كون المنطقة العربية مهد الأديان التوحيدية الثلاثة، مما يؤكد وجود تجمع وحراك بشري كبير فوق أرضها منذ القدم.

كذلك تؤكد بعض مدوَّنات التاريخ القديم الحجرية والمسمارية والفينيقية والهيروغليفية المصرية واليونانية، أن هذه المنطقة كانت مركز تاريخ العالم ونقطة الوسط في التجارة ما بين الشرق والغرب.

كما يعتبر بعض المؤرخين أن الذين سكنوا هذه المنطقة انطلقوا من مصدر واحد هو منطقة الجزيرة العربية ومحيطها، وقامت من خلال هجرات متتالية، نتيجة تغير المناخ والتصحر، بالإنتشار في مناطق ما عرف بالهلال الخصيب وبلاد ما بين النهرين ومصر وشمال أفريقيا وربما أنحاء أخرى من العالم، سعيًا وراء الماء والكلأ.

عاشت هذه المنطقة صراعات داخلية بين شعوبها وأقوامها وبين هذه والخارج، منذ عصر الممالك المصرية القديمة إلى الغزو الفارسي واليوناني والروماني والبيزنطي وحتى الفتح العربي الإسلامي في القرن السابع الميلادي، الذي وحَّدها تحت سلطة الدولة العربية الإسلامية.

بعد ذلك أتى الفتح العثماني الذي انتزع السلطة الدينية (الخلافة الإسلامية) من العرب وألحقها بالأتراك حتى مطلع القرن العشرين (1914). عندما انهزمت الخلافة العثمانية أمام القوى الأوروبية الكبرى في الحرب العالمية الأولى، فرضت الدول الأوروبية سيطرتها على المنطقة وقسَّمت العالم العربي ورسمت برصاص أقلامها وأسلحتها الحدود بين أقطاره وفق مصالحها ومخططاتها، الآنيَّة منها والمستقبلية (سايكس –بيكو).

ومن الملاحظ أن أكثر الحدود ما بين الدول العربية خطوط مستقيمة وقد رسمت «بالقلم والمسطرة»، حتى أنه يقال إنَّ السيدة غرترود بل (القنصل البريطاني)، التفتت إلى أحد الأشخاص في أثناء عملها في رسم الحدود بين العراق والأردن، فانحرف القلم والمسطرة فوق الخريطة ما أضاف مساحة للأردن من دون مبرر ديمغرافي أو جغرافي. ويعلِّق أحد المؤرخين البريطانيين (جيم كراو) من جامعة «نيو كاسل» على ذلك قائلاً : «من دون الغش الإمبريالي البريطاني فإن دولاً كثيرة في منطقة الشرق الأوسط ما كان يجب أن توجد بالطريقة التي وجدت فيها، ولكن السيدة البريطانية غرترود بل كانت واحدة من بين ثلاثة بريطانيين خلقوا دول الشرق الاوسط كما يتناسب مع المصالح البريطانية».

 

 

 

العالم العربي المعاصر

بعدما انتهى الحكم العثماني في البلاد العربية، سقطت هذه البلاد تحت حكم الدول الإستعمارية الأوروبية المباشر بأسماء وصفات متعددة، منها الإنتداب او الوصاية أو الحماية أو غيرها من الصفات التي تخفي أو تخفف من حقيقة الحكم الأجنبي لهذه البلاد وتصرُّفه المطلق بالأرض والبشر. لقد تصرف الحكم الأجنبي وفق منظومة مصالحه وإتفاقاته بعد شق قناة السويس وإكتشاف النفط، ووفق رغبته في منع قيام كيان سياسي عربي موحد وقوي يشكل تهديدًا لمصالح دول الغرب في المستقبل. إلا أن الشعوب العربية ثارت على هذا المستعمر ودفعت الدماء حتى نالت إستقلالها تباعًا وأنهت فترة الإستعمار الأجنبي مع مطلع سبعينيات القرن العشرين (ما عدا فلسطين)، مستفيدة من مرحلة إنقسام العالم إلى معسكرين: شرقي وغربي ومرحلة الحرب الباردة بينهما.

غير أنَّ اللافت أن هذه الدول العربية التي قامت على أسس ونظم مختلفة تراوح ما بين الجمهورية والملكية أو الإمارة أو السلطنة أو الإتحاد الفدرالي، عانت دائماً التدخل الخارجي وما زالت تعانيه. وهذا ما جعلها تتمحور هنا وهناك فتتفق أو تختلف وفق منظومة المصالح الدولية، حتى أن الجامعة العربية تحولت إلى منتدى خطابي لنقل الرسائل الدولية المختلفة من دون أن يعبّر فعلاً عن مصلحة الدول العربية وهموم شعوبها، ولا هو توصل إلى رسم استراتيجيات لمستقبل أفضل ترفع عن كاهل هذه الشعوب أعباء الفقر وسوء التنمية، أو تتيح اللحاق بركب التطور العلمي والتقني وإيجاد فرص العمل لملايين من الشباب المتعلم. فلا سوق عربية مشتركة ولا دفاع عربي فعلي مشترك ولا تنمية عربية مشتركة توازن بين الدول الغنية والدول الفقيرة، أو توازن ما بين الموارد المختلفة والمتنوعة لهذه الأقطار وفق مفهوم التكامل الإقتصادي، مما يتيح لمجموعها أن يتحول الى كيان إقتصادي قوي يفرض نفسه بين المجموعات الكبرى في العالم أسوة بالإتحاد الأوروبي أو الأميركي او الآسيوي ويعوض عن الهجرة المستمرة للكفاءات العربية نحو بلاد الإغتراب.

العالم العربي القديم يتغير بسرعة فعسى أن يكون الآتي محققًا لآمال شعوبه وطموحاتها.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *