المحكم ياسر عبدالله حجازي يكتب… حين تصبح الحرية مبررا لإهانة الشيب 

 

 

نحن نعيش اليوم في زمن غريب زمن إنقلبت فيه الموازين وصار فيه التطاول وجهة نظر وقلة الأدب كاريزما وتجاهل وقار الكبار تحررا من القيود إن ما نشهده من بعض فئات الجيل الحالي ليس مجرد فجوة بين الأجيال أو إختلاف في التفكير بل هو زلزال يضرب أركان المنظومة الأخلاقية التي قامت عليها مجتمعنا لقرون فبإسم الحرية الشخصية وإثبات الذات نرى مشاهدا كثيرة تدمي القلب لشباب يرفعون أصواتهم في وجه من علموهم ويتجاهلون وقار الشيب بحجة أن الزمن قد تجاوزهم فهل أصبحت الحرية خنجرا نطعن به قيمنا أم أننا أمام جيل ضل الطريق بين شاشات الهواتف وواقع الحياة.

 

أول ما يتبادر إلى ذهن هؤلاء الشباب هو أن الحرية تعني التخلص من كل سلطة بما في ذلك سلطة الإحترام والتقدير لقد اختُزلت الحرية لديهم في القدرة على قول لا بشكل فج والإعتراض لمجرد الاعتراض إنهم يتناسون أن الحرية الحقيقية تنتهي حيث تبدأ حدود كرامة الآخرين فكيف إذا كان هؤلاء الآخرون هم الآباء والأجداد والمعلمون وكبار السن إن التذرع بالحرية لممارسة العقوق الإجتماعى هو تزييف للواقع فالحرية بلا أخلاق هي فوضى عارمة والتمرد على الكبير ليس دليلا على قوة الشخصية بل هو مؤشر على هشاشة نفسية وفراغ قيمي يحاول الشباب تغطيته برداء العصرنة فسطوة السوشيال ميديا وعقدة الأنا لا يمكننا فصل هذا السلوك عن التأثير المدمر لبعض منصات التواصل الإجتماعي التي صدرت نماذج للمؤثرين الذين لا يقيمون وزنا لكبير أو صغير حيث أصبح الشباب يروا أن كسر القواعد هو الطريق الأسرع للشهرة وجذب الإنتباه في هذا العالم الافتراضي وأصبحت “الأنا” هي الإله المعبود وصار رأيي الشخصي أهم من الحكمة المتوارثة هذا الجيل الذي يستمد ثقافته من مقاطع الفيديو السريعة بات يرى في نصيحة الكبير عبئا ثقيلا وفي هدوئه رجعية وفي وقاره عجزا متناسين أن هذا الكبير هو الذي بنى الجسور التي يعبرون عليها اليوم نحو مستقبلهم فكبارنا بوصلة لا ينطفئ نورها

إن إحترام الكبير ليس طقسا دينيا أو تقليدا إجتماعيا باليا يمكن الإستغناء عنه بل هو ضرورة لبقاء المجتمع متماسكا الكبير يمثل الخبرة التي لا تباع في المتاجر ويمثل التاريخ الذي لا يمكن تزييفه فعندما يسقط إحترام الكبير في مجتمع ما يسقط معه الأمان الإجتماعي وتتحول الأسر إلى جزر معزولة يتصارع فيها الأبناء مع الآباء وتضيع فيها لغة الحوار لتحل محلها لغة الإستعلاء والنفور إننا ندق ناقوس الخطر فالحداثة لا تعني الإنسلاخ من الإنسانية والتقدم لا يعني القفز فوق رؤوس من سبقونا وعلى الجيل الحالي أن يدرك أن الوقار الذي يراه اليوم في وجه كبير السن هو حصاد سنوات من الكفاح و إن الاحترام هو العملة الوحيدة التي لا تنخفض قيمتها مهما مر الزمن وعلينا أن نعيد تعريف الحرية لأبنائنا الحرية هي أن تملك القوة لتكون مهذبا والشجاعة لتكون متواضعا والذكاء لتدرك أن من سبقك في السن قد سبقك في فهم ألاعيب الحياة.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *