إعداد:المستشار الدكتور خالد الكاديكي
دكتوراه في التمويل والمصارف – كلية لانكستر 2018
تشهد العديد من الاقتصادات النامية تحديات مالية ونقدية متزايدة نتيجة الاختلالات الهيكلية، وضعف الاستقرار السياسي، وتراجع الثقة في الأنظمة المصرفية والنقدية. وتُعد كل من لبنان وليبيا من أبرز النماذج العربية التي واجهت أزمات نقدية أثرت بشكل مباشر على قيمة العملة المحلية والاستقرار الاقتصادي.
ورغم اختلاف طبيعة الموارد والظروف السياسية بين البلدين، إلا أن هناك تشابهاً واضحاً في بعض المؤشرات الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بارتفاع الطلب على الدولار الأمريكي، وتراجع الثقة بالعملة الوطنية، واتساع السوق الموازي للعملات الأجنبية.
أولاً: طبيعة الأزمة الاقتصادية
الحالة اللبنانية
بدأت الأزمة الاقتصادية اللبنانية بشكل واضح منذ عام 2019 نتيجة مجموعة من العوامل المتراكمة، أبرزها:
تراكم الدين العام.
العجز المالي المزمن.
انهيار القطاع المصرفي.
فقدان الثقة بالمؤسسات المالية.
تراجع تدفقات الدولار من الخارج.
وقد أدى ذلك إلى انهيار حاد في قيمة الليرة اللبنانية، وتحول الاقتصاد تدريجياً إلى اقتصاد “مدولر”، يعتمد بصورة كبيرة على الدولار الأمريكي في مختلف المعاملات.
الحالة الليبية
أما في ليبيا، فإن الأزمة الاقتصادية ترتبط بشكل رئيسي بـ:
الانقسام السياسي والمؤسسي.
تعدد أوجه الإنفاق العام.
الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية.
ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي.
توسع نشاط السوق الموازي للعملات.
ورغم ذلك، لا تزال ليبيا تمتلك مورداً سيادياً مهماً يتمثل في النفط، وهو ما يمنح الاقتصاد الليبي قدرة نسبية على امتصاص الصدمات مقارنة بالحالة اللبنانية.
ثانياً: طباعة العملة وتأثيرها على الاقتصاد
لبنان
شهد لبنان توسعاً كبيراً في طباعة الليرة اللبنانية لتغطية الالتزامات المالية والعجز الحكومي، وهو ما تسبب في:
ارتفاع معدلات التضخم.
انهيار القوة الشرائية.
تراجع الثقة بالعملة المحلية.
انتقال المواطنين نحو الاحتفاظ بالدولار الأمريكي.
وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على الاستقرار النقدي والاجتماعي داخل الدولة.
ليبيا
في المقابل، لم تصل ليبيا إلى مستوى الانفلات النقدي الذي شهده لبنان، إلا أن:
زيادة الكتلة النقدية.
التوسع في الإنفاق العام.
ضعف الإنتاج المحلي.
كلها عوامل ساهمت في زيادة الضغط على سعر الصرف، وارتفاع الطلب على العملات الأجنبية، خصوصاً الدولار الأمريكي.
ثالثاً: هيمنة الدولار على السوق
لبنان
أصبح الدولار الأمريكي العملة الأكثر تداولاً في لبنان، حيث يُستخدم في:
الإيجارات.
التجارة.
الرواتب.
التعليم والصحة.
تسعير السلع والخدمات.
وبذلك تحول الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد شبه تعاملات دولار بالكامل.
أما في ليبيا، فلا يزال الدينار الليبي العملة الرسمية الأساسية في التعاملات اليومية، إلا أن:
الدولار أصبح أداة ادخار رئيسية.
السوق الموازي يؤثر بشكل مباشر على الأسعار.
العديد من التجار يربطون التسعير بسعر الدولار.
وهذا يعكس حالة “الدولرة غير المباشرة” داخل الاقتصاد الليبي.
رابعاً: وضع القطاع المصرفي
لبنان
تعرض القطاع المصرفي اللبناني إلى أزمة حادة تمثلت في:
انهيار الثقة بالمصارف.
تجميد الودائع.
فرض قيود على السحب.
خسائر مالية ضخمة.
الأمر الذي أدى إلى انهيار العلاقة بين المواطن والمؤسسات المصرفية.
ليبيا
أما القطاع المصرفي الليبي، فرغم استمرار نشاطه، إلا أنه يعاني من:
نقص السيولة أحياناً.
ضعف الخدمات المصرفية.
محدودية أنظمة الدفع الإلكتروني.
الاعتماد الكبير على النقد الورقي.
لكنه لم يصل إلى مرحلة الانهيار الكامل كما حدث في لبنان.
خامساً: الفوارق الجوهرية بين البلدين
العنصر
لبنان
ليبيا
الموارد الطبيعية
محدودة
نفط وغاز
الاحتياطي النقدي
ضعيف ومتآكل
أفضل نسبياً
هيمنة الدولار
مرتفعة جداً
متوسطة
وضع المصارف
شبه منهار
يعاني لكنه قائم
طبيعة الأزمة
مالية ومصرفية ونقدية
سياسية ونقدية واقتصادية
الإنتاج المحلي
ضعيف
ضعيف مع اعتماد نفطي
سادساً: الدروس المستفادة لليبيا من التجربة اللبنانية
تقدم التجربة اللبنانية عدداً من المؤشرات التحذيرية المهمة، أبرزها:
خطورة التوسع في الإنفاق دون غطاء إنتاجي.
أهمية الحفاظ على الثقة في العملة المحلية.
ضرورة ضبط الكتلة النقدية.
تعزيز كفاءة القطاع المصرفي.
تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.
مكافحة السوق الموازي للعملات الأجنبية.
دعم الاستقرار المؤسسي والنقدي.
الخاتمة
يمكن القول إن لبنان وصل إلى مرحلة “الدولرة الكاملة” نتيجة انهيار الثقة بالنظام المالي والمصرفي، بينما لا تزال ليبيا في مرحلة يمكن من خلالها احتواء المخاطر الاقتصادية إذا ما تم تطبيق إصلاحات مالية ونقدية حقيقية.
كما أن امتلاك ليبيا لمورد نفطي استراتيجي يمنحها فرصة أكبر لتجنب السيناريو اللبناني، بشرط العمل على توحيد المؤسسات الاقتصادية، وضبط الإنفاق العام، وتحقيق استقرار نقدي مستدام يدعم قيمة الدينار الليبي ويحافظ على التوازن الاقتصادي للدولة.
المراجع
صندوق النقد الدولي – Dollarization in Lebanon�
IMF – Economic Dislocation and Recovery in Lebanon�
IMF Article IV Consultation with Lebanon 2023�
Lebanon 2023 Staff Report – IMF�
Lex Localis Journal – Dollarization and Purchasing Power in Lebanon�
Reuters – Lebanon Economic Reforms and IMF Talks�
Reuters – Lebanon Banking Crisis and Rescue Plan�
Reuters – Lebanon Financial Gap Law�
Reuters – IMF Progress on Lebanon Reforms�
Reuters – IMF Rapid Financing Discussions with Lebanon�

اترك تعليقاً