بقلم: عبد الحافظ الرواس
تُطلّ علينا السياسة الدولية اليوم بوجهها الحقيقي، السافر من كل قناع أيديولوجي أو غطاء قيمي، لتكشف عن محركها الأوحد والأزلي: “المصلحة”. وفي هذا المختبر العالمي المشتعل، حيث تتصادم الإرادات وتتقاطع الأجندات، يبرز السؤال الوجودي الذي يؤرق مراكز الدراسات، وصناع القرار، والشعوب على حد سواء: في غمار هذا الاصطدام الكوني والمحلي، من هو الرابح الحقيقي في حرب المصالح؟
فلسفة المصالح: من “العقد الاجتماعي” إلى “الواقعية الفجة”
منذ فجر التاريخ، لم تكن الصراعات الكبرى سوى تجليات لرغبات التوسع والسيطرة على الموارد. غير أن العصر الحديث، بما حمله من تعقيدات جيوسياسية واقتصادية، قد حوّل “المصلحة” من مجرد دافع بشري إلى “دين سياسي” يعتنقه الجميع. لقد ولى زمن الحروب التي تُخاض من أجل “المبادئ المطلقة” أو “نصرة الضعفاء” إلا في خطابات المهرجانات السياسية؛ أما الغرف المغلقة، فلا تسمع فيها سوى صرير الأقلام وهي ترسم خرائط النفوذ، وأصوات الآلات الحاسبة وهي تُحصي الأرباح والخسائر.
إن “حرب المصالح” ليست مجرد مواجهة عسكرية بالدبابات والمدافع، بل هي حرب ناعمة تارة، وخشنة تارة أخرى، تشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والطاقة، والمعلومات. هي صراع على ممرات التجارة، وعلى منابع الغاز، وعلى من يمتلك مفاتيح الذكاء الاصطناعي في القرن الحادي والعشرين.
خريطة القوى: القطبية القلقة والبحث عن التموضع
في المشهد الدولي الراهن، نجد أنفسنا أمام لوحة معقدة. الولايات المتحدة الأمريكية، التي تربعت على عرش القطبية الواحدة لعقود، تجد نفسها اليوم في مواجهة تحديات وجودية لمصالحها العليا. إنها تحاول جاهدة الحفاظ على “نظام الهيمنة” من خلال سلاح العقوبات تارة، والتحالفات العسكرية تارة أخرى. لكن المصلحة الأمريكية لم تعد قدراً محتوماً على العالم؛ فقد برز التنين الصيني، الذي لا يحارب بالرصاص بقدر ما يحارب بـ “طريق الحرير” والقروض الميسرة والاستثمارات الضخمة، محولاً “المصلحة” إلى شبكة عنكبوتية تربط القارات ببكين.
أما روسيا، فتخوض حربها في أوكرانيا دفاعاً عما تراه “مجالاً حيوياً” ومصلحة أمنية قومية لا تقبل المساومة، مكسرةً بذلك قواعد اللعبة التي أرستها الليبرالية الغربية بعد الحرب الباردة. وفي خضم هذا التلاطم بين العمالقة، تبرز القوى الإقليمية الصاعدة (كالسعودية، والإمارات، وتركيا، وإيران) التي أدركت أن التبعية المطلقة لقطب واحد لم تعد تحقق “المصلحة الوطنية”، فبدأت في انتهاج سياسة “تصفير المشاكل” أحياناً، و”تنويع الشركاء” أحياناً أخرى، بحثاً عن موطئ قدم في النظام العالمي الجديد.
الشرق الأوسط: ساحة المصالح الكبرى وثمن الجغرافيا
يظل الشرق الأوسط المختبر الأكثر دموية وتعقيداً لحرب المصالح. هنا، لا توجد عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، بل توجد “خرائط طريق” تتغير بتغير أسعار النفط، ومسارات أنابيب الغاز، وتوازنات القوة العسكرية. من الصراع العربي الإسرائيلي، إلى التنافس الإيراني-الإقليمي، وصولاً إلى التدخلات الدولية في سوريا وليبيا واليمن؛ نجد أن الإنسان العربي هو غالباً ما يكون ضحية هذه المصالح.
الرابح في الشرق الأوسط ليس بالضرورة من يمتلك أكبر ترسانة سلاح، بل هو “اللاعب البراغماتي” الذي يستطيع تحويل الأزمات إلى فرص. لقد رأينا كيف تحولت دول كانت توصف بالنامية إلى مراكز ثقل عالمية لأنها أحسنت إدارة “ورقة الطاقة” و”الموقع الاستراتيجي”، وفرضت شروطها في سوق المصالح الدولية دون أن تنجرف إلى صراعات صفرية تُهلك الحرث والنسل.
الاقتصاد الرقمي: الحرب على “الذهب الجديد”
لم تعد المصالح تُقاس بمساحة الأرض فحسب، بل بحجم البيانات والتحكم في الخوارزميات. إن حرب المصالح الحقيقية اليوم تدور في مختبرات “السيليكون فالي” ومصانع الرقائق الإلكترونية في تايوان. من يمتلك تكنولوجيا المستقبل هو الذي سيقود العالم. الصين والولايات المتحدة تدركان أن المصلحة العليا تكمن في “السيادة الرقمية”؛ لذا نرى التنافس المحموم على شبكات الجيل الخامس، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الفضاء. في هذه الحرب، الرابح هو من يسبق في مضمار الابتكار، لأن التخلف التكنولوجي يعني التبعية الاقتصادية والسياسية المطلقة.
الأخلاق في ميزان المصالح: السقوط الكبير
عندما نتحدث عن “الرابح”، يجب أن نسأل: ما هو الثمن؟ إن حرب المصالح قد أدت إلى تآكل مرعب في منظومة القانون الدولي وحقوق الإنسان. لقد أصبح “الازدواج المعاييري” هو السمة الغالبة؛ تُنتهك سيادة الدول باسم المصلحة، وتُباد شعوب تحت ذريعة التوازنات الاستراتيجية. إن الخاسر الأكبر هنا هو “القيم الإنسانية” التي باتت تُذبح على مذبح البرغماتية السياسية. عندما تتصادم مصلحة القوي مع حق الضعيف، يسحق القوي الحق بدم بارد، ثم يخرج ليحدثنا عن “الديمقراطية” و”العدالة”.
من هو الرابح إذن؟
بعد استقراء هذا المشهد الضبابي، يمكننا تحديد هوية “الرابح” من خلال ثلاث سمات رئيسية:
1. **اللاعب المرن:** هو الذي لا يحصر نفسه في تحالفات جامدة. الرابح هو من يفتح أبوابه للشرق والغرب معاً، ويجعل من دولته “نقطة التقاء” لا “ساحة تصفية حسابات”.
2. **المستثمر في الإنسان والعقل:** الدول التي أدركت أن المورد الناضب (النفط والغاز) ليس هو الضمانة، بل المورد المتجدد (الإنسان والمعرفة). الرابح هو من بنى اقتصاداً معرفياً قادراً على الصمود أمام تقلبات الجيوسياسة.
3. صاحب الرؤية الطويلة: المصالح اللحظية قد تحقق مكاسب سريعة، لكنها قد تؤدي إلى كوارث استراتيجية. الرابح هو من يخطط لعشرين أو خمسين عاماً قادمة، واضعاً في اعتباره التغيرات المناخية، والتحولات الديموغرافية، وانتقال مراكز القوة من الأطلسي إلى الهادي.
### الخاتمة: حتمية التوازن
إن حرب المصالح لن تنتهي، فهي جزء من الطبيعة البشرية والتدافع الحضاري. ولكن، يبقى الأمل في أن تدرك القوى العظمى أن “المصلحة الأنانية المطلقة” هي وصفة للانتحار الجماعي. الرابح الحقيقي في المدى البعيد هو من يستطيع خلق “تقاطعات مصالح” تضمن قدراً من الاستقرار والازدهار المشترك.
إننا في منطقة جغرافية منحها الله كل مقومات القوة، وعاقبتها الأقدار بصراعات لا تنتهي. ولن نكون من الرابحين في هذه الحرب إلا إذا استبدلنا العاطفة السياسية بالوعي الاستراتيجي، وحوّلنا منطقتنا من “موضوع” للمصالح الدولية إلى “فاعل” يفرض شروطه ويحمي حقوق أجياله القادمة.
في نهاية المطاف، سيكتب التاريخ أن الرابح ليس من جمع أكبر قدر من الأموال أو احتل أكبر مساحة من الأراضي، بل هو من استطاع أن يحافظ على كيان دولته متماسكاً، ومواطنه كراماً، في عالم لا يحترم إلا الأقوياء، ولا يعترف إلا بلغة الأرقام.

اترك تعليقاً