ياسر حسان يكتب: تصريحات بينيت وردود أردوغان.. قراءة في دلالات المشهد الإقليمي والتحولات الاستراتيجية

 

 

قبل أكثر من أسبوعين، أثار تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت جدلًا واسعًا، بعدما تحدث عن احتمالات تصعيد عسكري ضد تركيا، واصفًا إياها بـ”إيران الجديدة”، ومشيرًا إلى أنها قد تكون الهدف التالي بعد إيران. هذا التصريح أعقبته ردود فعل تركية حادة، كان أبرزها وصف الرئيس رجب طيب أردوغان لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه “هتلر جديد”، في سياق تصاعد التوتر الخطابي بين الجانبين.

وتفتح هذه التصريحات الباب أمام قراءة أوسع للمشهد الإقليمي، حيث يمكن رصد مجموعة من الدلالات السياسية والاستراتيجية التي تعكس طبيعة التحولات الجارية في المنطقة.

أول هذه الدلالات يتمثل في أن السياسات الإسرائيلية – وفق رؤية بعض التحليلات – لا ترتبط بتغير الحكومات بقدر ما ترتبط باستراتيجيات ممتدة المدى. ويُنظر إلى ذلك في إطار تاريخ طويل من التحولات الإقليمية، بدءًا من الصراع العربي الإسرائيلي، مرورًا بحرب 1967 وتداعيات حرب أكتوبر 1973، وصولًا إلى صعود إيران كفاعل إقليمي رئيسي أعاد تشكيل خرائط التوازنات في الشرق الأوسط.

أما الدلالة الثانية، فتشير إلى أن أي إعادة تشكيل لتحالفات إقليمية واسعة في المنطقة، سواء كانت ذات طابع عربي أو إسلامي أو إقليمي مشترك، تظل محل اهتمام بالغ في الحسابات الاستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية. ويبرز في هذا السياق الحديث عن التقارب بين عدد من الدول الإقليمية الكبرى، بما فيها تركيا ومصر ودول الخليج، باعتباره أحد التحولات المؤثرة في معادلات القوة الإقليمية.

وفي الدلالة الثالثة، يتم التطرق إلى مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من زاوية تأثير أي تغير في بنيته أو تماسكه على الدور الاستراتيجي لتركيا داخل المنظومة الغربية، خاصة في ظل اعتماد أنقرة على الحلف كإطار أمني رئيسي يحدد جزءًا مهمًا من موقعها الجيوسياسي.

أما الدلالة الرابعة، فتتعلق بتصاعد حضور الخطاب الديني في السياسة الدولية، لا سيما داخل الولايات المتحدة، وما يصاحبه من انقسامات متزايدة في الرأي العام الأمريكي حول أدوار السياسة الخارجية، وتأثير جماعات الضغط في صياغة هذه التوجهات.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن فهم التباين في مواقف بعض الدول الإقليمية تجاه التطورات الجارية، باعتباره انعكاسًا لاختلاف إدراك المصالح والأولويات الاستراتيجية. ومع ذلك، فإن المشهد يظل قابلًا لإعادة التشكل، مع احتمالات متزايدة لالتقاء المصالح الإقليمية في نقاط مشتركة خلال المرحلة المقبلة، رغم ما يبدو من تباينات حالية.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *