الانتحار جريمة في حق النفس… ونداء عاجل لإنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا

 

بقلم : أسامة عبدالقادر

 

في الآونة الأخيرة، تكررت حوادث الانتحار بشكل مؤلم يهز الضمير الإنساني قبل أن يطرق أبواب القانون والدين. من واقعة البلوجر الشابة “بسنت” في الإسكندرية، إلى سائق أوبر الذي أنهى حياته شنقًا على أحد الكباري، مرورًا بالرجل الذي ضاقت به السبل بعد رفض طلبه للمعاش من وزارة التضامن، فاختار أن يعلق روحه على باب أحد المكاتب الحكومية بدمياط… وغيرها من الوقائع التي لم تعد مجرد أخبار عابرة، بل جرس إنذار خطير.

 

هذه الوقائع ليست مجرد نهايات مأساوية لأشخاص، بل هي قصص ألم مكتومة، وصرخات لم تجد من يسمعها في الوقت المناسب.

 

الانتحار في ميزان الدين

 

لقد جاء الدين الإسلامي واضحًا وحاسمًا في تحريم الانتحار، باعتباره اعتداءً على النفس التي كرمها الله. يقول الله تعالى:

“ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا”،

ويقول أيضًا: “ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين”.

 

فالانتحار ليس حلًا، بل هو استسلام لفكرة شيطانية تُزيّن لصاحبها أن الخلاص في الموت، بينما الحقيقة أن في الصبر واللجوء إلى الله النجاة الحقيقية. فالله سبحانه وتعالى لم يخلق داءً إلا وجعل له دواء، ولم يبتلِ عبدًا إلا ليختبر صبره ويقربه إليه.

 

بين الضغوط النفسية وقسوة الواقع

 

لا يمكن إنكار أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية قد بلغت حدًا قاسيًا على كثير من الناس، خاصة مع تزايد متطلبات الحياة، وقلة الحيلة لدى البعض. لكن الخطورة الحقيقية تكمن حين يتحول اليأس إلى قرار، ويصبح الانتحار خيارًا في لحظة ضعف.

 

وهنا يجب أن نقف وقفة صادقة:

كم من مظلوم لم يجد من يسمعه؟

كم من مقهور لم يجد يدًا تمتد إليه؟

كم من محتاج طُرد من بابٍ كان يأمل أن يُفتح له؟

 

الإصلاح التشريعي ضرورة… لحماية الأطفال من صراعات الكبار

 

ولا يمكن الحديث عن الضغوط التي تدفع البعض إلى حافة اليأس دون التطرق إلى أحد أخطر الملفات الاجتماعية، وهو الصراع الدائر بين الأزواج بعد الطلاق، خاصة حين يتحول الأطفال إلى وسيلة للضغط والانتقام.

 

فكم من أب مُنع من رؤية أبنائه، وكم من أم تعاني وحدها أعباء التربية، وكم من طفل يعيش ممزقًا بين طرفين، لا ذنب له إلا أنه وُلد في بيت لم يستمر. هذه الصراعات اليومية، وما يصاحبها من مشاحنات قضائية ونفسية، تُولد ضغوطًا هائلة قد تدفع بعض الأطراف إلى الانهيار النفسي، وربما التفكير في إنهاء حياتهم هروبًا من واقع مؤلم.

 

من هنا، أصبح من الضروري إعادة النظر في قانون الأحوال الشخصية بشكل شامل وعادل، يحقق التوازن بين حقوق الأب والأم، ويضع مصلحة الطفل في المقام الأول، بعيدًا عن تصفية الحسابات.

 

نحن بحاجة إلى قانون يُنهي حالة الشد والجذب، ويضمن:

 

رؤية عادلة ومنظمة للطرف غير الحاضن

 

حماية نفسية واجتماعية للأطفال

 

تقليل النزاعات القضائية التي تستنزف الوقت والجهد

 

آليات سريعة لحل الخلافات دون تعقيد

 

 

فاستقرار الأسرة – حتى بعد الانفصال – ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية المجتمع من مزيد من التفكك والضياع.

 

المسؤولية جماعية

 

إن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على فرد بعينه، بل هي مسؤولية مجتمع كامل:

 

الدولة: مطالبة بتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وسرعة الاستجابة لنداءات المحتاجين.

 

المؤسسات الدينية: عليها تكثيف التوعية بخطورة الانتحار، وربط الناس بالأمل والإيمان.

 

الإعلام: يجب أن يتعامل مع هذه الحوادث بحساسية، دون تهويل أو ترويج غير مباشر.

 

المجتمع: كل فرد مسؤول عن الآخر… كلمة طيبة قد تنقذ حياة.

 

 

رسالة إلى كل مهموم

 

إلى كل من ضاقت به الدنيا:

لا تجعل لحظة ضعف تُنهي حياة بأكملها.

لا تنخدع بفكرة أن الموت راحة، فالحياة – مهما اشتدت – تحمل دائمًا فرصة جديدة.

الجأ إلى الله، واطلب العون، وتحدث… فالكتمان قاتل.

 

تذكر دائمًا:

كل مشكلة لها حل، ولو تأخر.

وكل ضيق بعده فرج، ولو طال.

وكل ليل يعقبه فجر، ولو اشتد ظلامه.

 

ختامًا

 

نحن أمام ظاهرة خطيرة تستدعي التكاتف، لا الإدانة فقط.

علينا أن نُحيي ثقافة الرحمة، وأن نعيد للإنسان قيمته، وأن نُدرك أن إنقاذ نفس واحدة… هو إنقاذ للعالم كله.

 

فلنحذر جميعًا من السير خلف خطوات الشيطان، ولنجعل الأمل طريقًا، والإيمان سندًا، والإنسانية منهجًا.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *