بقلم: سحر مهني
في سجلات التاريخ الروحي للبشرية، تبرز قصة لقاء نبي الله موسى والعبد الصالح الخضر -عليهما السلام- كأحد أعمق الدروس في طبيعة “المعرفة” والفرق الجوهري بين ما نراه بأعيننا وما يخطه القدر بحكمته الخفية. هي ليست مجرد رحلة في الجغرافيا، بل هي رحلة في سيكولوجية الصبر والتسليم.
الرحلة: عندما يلتقي الشوق بالحكمة
بدأت القصة حين سُئل موسى عليه السلام: “من أعلم أهل الأرض؟” فقال: “أنا”، فعاتبه الله إذ لم يرد الفضل إليه، وأمره بالذهاب لملاقاة عبدٍ بـ “مجمع البحرين” آتاه الله من لدنه علماً.
اشترط الخضر على موسى شرطاً واحداً للاستمرار في صحبته: (فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا). ومن هنا بدأت سلسلة من المفارقات التي هزت منطق العقل البشري:
خرق السفينة: خرق الخضر سفينة مساكين أحسنوا إليهما، فكان في ظاهر الأمر “شراً” وإفساداً.
قتل الغلام: تصرف بدا في قمة القسوة والظلم لنفس بريئة.
بناء الجدار: العمل “مجاناً” في قرية بخل أهلها حتى عن إطعام ضيف، وهو ما بدا منافياً للعدل الاجتماعي.
فك الشفرة: ما وراء الستار
لم ينكشف السر إلا عند لحظة الفراق، حيث أوضح الخضر أن كل “مصيبة” كانت تخبئ خلفها “رحمة”:
السفينة: خُرقت لتعيب، فتنجو من مصادرة ملك ظالم يغتصب كل سفينة سليمة.
الغلام: قُتل حماية لأبوين مؤمنين من طغيان وكفر ابنهما مستقبلاً، واستبداله بذرية صالحة.
الجدار: بُني ليحفظ كنزاً ليتيمين تحت رعاية الله حتى يكبرا، مكافأة لصلاح والدهما.
العبرة المستفادة: كيف نقرأ حياتنا اليوم؟
إن قصة الخضر ليست حكاية تاريخية فحسب، بل هي “كتالوج” إيماني للتعامل مع أزمات الواقع، ونستخلص منها:
محدودية الإدراك البشري: نحن نرى “المشهد” بينما الله يرى “الفيلم” كاملاً. ما نراه اليوم خسارة (كسر السفينة)، قد يكون هو السبب الوحيد لنجاتنا من خسارة أكبر غداً.
أدب طلب العلم: علمتنا القصة أن التواضع هو مفتاح المعرفة، وأن الصبر هو الوقود الوحيد للوصول إلى الحقائق.
الخير الكامن في الشر الظاهري: أحياناً يكون المنع هو عين العطاء. فالله قد يأخذ منك شيئاً تحبه ليحميك من شر لا تراه، أو ليعطيك ما هو أبقى وأصلح.
بركة الصلاح المتعدي: (وكان أبوهما صالحاً)؛ قاعدة ذهبية تؤكد أن استقامة الآباء هي الدرع الحامي للأبناء، حتى بعد رحيلهم.
خاتمة:
إننا في حياتنا اليومية نمر بـ “سفن تُخرق” و”جدران تُبنى” دون أن نفهم السبب، فتمتلئ قلوبنا بالاعتراض. لكن قصة الخضر جاءت لتقول لنا: “اطمئنوا.. فخلف ستار القدر يدٌ رحيمة تدبر الأمر بحكمة تفوق خيال البشر”.

اترك تعليقاً