بقلم: سحر مهني
في عمق التاريخ وبين جدران قصور الفراعنة حيث ساد الظلم وادعى البشر الألوهية بزغ نور الإيمان من قلب امرأة بسيطة لم تكن تملك جاها ولا سلطانا بل كانت تعمل ماشطة لابنة فرعون تصفف شعرها وتخدمها في صمت وهي تخفي في صدرها يقينا بالله الواحد القهار بعيدا عن أعين الرقباء والبطش الفرعوني الذي كان يملأ الأرجاء في تلك الحقبة من الزمان التي شهدت صراعا مريرا بين الحق والباطل
بدأت فصول الملحمة حين سقط المشط من يد الماشطة وهي تؤدي عملها فسبقت لسانها كلمة بسم الله لترد عليها ابنة فرعون بتعجب أتقصدين أبي فكان الرد الذي زلزل أركان القصر ربي وربك ورب أبيك هو الله وحده لم يكن هذا مجرد اعتراف بل كان إعلانا صريحا بالتوحيد في عقر دار الطغيان مما دفع فرعون المستكبر إلى إحضارها وتهديدها بأبشع أنواع العذاب إذا لم تتخل عن دينها الذي ارتضته لنفسها
وأمام قدر عظيم من الزيت المغلي بدأت أبشع فصول التضحية حيث أمر فرعون بإلقاء أبناء الماشطة الواحد تلو الآخر في الزيت وهي تنظر إليهم وقلبها يعتصر ألما لكنه يفيض إيمانا حتى لم يبق إلا رضيعها الذي ترددت من أجله لحظة فأنطقه الله ليثبتها قائلا يا أماه اصبري فإنك على الحق فألقت بنفسها وطفلها لتصعد أرواحهم إلى بارئهم تاركين خلفهم ريحا طيبة تعبق بها السماء شهد بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج
وتتجلى العبرة العميقة من هذه القصة في أن القوة الحقيقية لا تكمن في البطش أو السلاح بل في الثبات على المبدأ واليقين بالحق مهما غلت التضحيات فالماشطة علمت البشرية أن الإيمان إذا خالط القلوب استهان الإنسان بكل زائل في سبيل الباقي وأن الظلم مهما علا شأنه فهو إلى زوال بينما يظل ذكر الصادقين محفورا في ذاكرة التاريخ ومرفوعا في ملكوت السموات كقدوة لكل مؤمن يواجه الصعاب بقلب لا يعرف الانكسار

اترك تعليقاً