بقلم: سحر مهني
تظل قصة سحرة فرعون واحدة من أكثر القصص المؤثرة في الوجدان الإنساني لما تحمله من تحولات درامية عميقة تمس جوهر العقيدة والحرية الفردية وتبدأ الحكاية من قصر الطاغية الذي ظن أن ملكه لا يزول فحشد أمهر السحرة من شتى بقاع مصر لمواجهة نبي الله موسى عليه السلام في يوم الزينة ذلك الموعد المشهود الذي اجتمع فيه الناس ضحى ليشهدوا الغلبة المزعومة للسحر على الحق ولم يكن السحرة في تلك اللحظة سوى أدوات في يد السلطة يبحثون عن الأجر والقرب من الحاكم قائلين أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين فجاءهم الرد بالوعد بالمنزلة الرفيعة والقرب من العرش ليتحول المشهد إلى صراع بين الزيف الذي تمثله الحبال والعصي التي سحرت أعين الناس واسترهبتهم وبين الحق المطلق الذي تجلى في عصا موسى التي لقفت ما صنعوا في لحظة خاطفة نسفت كل أوهام السحر وأبطلت كيد الساحر وهنا حدث التحول المذهل الذي لم يكن في حسبان فرعون ولا ملئه إذ لم يتردد السحرة الذين هم أعلم الناس بالفرق بين السحر والمعجزة في إعلان إيمانهم جهرة فخروا ساجدين معلنين إيمانهم برب العالمين رب موسى وهارون ضاربين عرض الحائط بكل تهديدات فرعون بقطع الأيدي والأرجل من خلاف والصلب في جذوع النخل فكان رد الإيمان الصادق لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا لتتحول تلك النفوس في لحظات من الطمع في عطايا البشر إلى الزهد في الحياة برمتها طمعاً في مغفرة رب السماوات
العبرة المستفادة من القصة
تتجلى العبرة الأسمى في هذه الواقعة التاريخية في أن الحق عندما يسطع لا يحتاج إلى مبررات طويلة بل ينفذ إلى القلوب الصافية التي تدرك الحقيقة بوعيها الفطري والعلمي كما فعل السحرة حين ميزوا بين الخداع البصري والمعجزة الإلهية وتؤكد القصة أن الإيمان إذا تمكن من القلب يمنح صاحبه شجاعة منقطعة النظير تتضاءل أمامها جبروت الطغاة وقوة السلاح فالسحرة الذين جاؤوا يطلبون الذهب والجاه انتهى بهم المطاف وهم يواجهون الموت بابتسامة اليقين مما يعلمنا أن الحرية الحقيقية هي التحرر من عبودية الخوف والطمع وأن لحظة صدق واحدة مع النفس ومع الخالق كفيلة بأن تمحو سنوات من الضلال وتقلب موازين القوى لصالح أصحاب المبادئ مهما كان عددهم قليلاً أو عتادهم بسيطاً

اترك تعليقاً