من النواح إلى الثبات.. الخنساء التي صاغها الإسلام قدوةً للصبر واليقين

بقلم: سحر مهني

 

لطالما سُجلت أسماء النساء في صفحات التاريخ بمداد من ذهب، لكن اسم “تُماضر بنت عمرو”، الشهيرة بـ الخنساء، يظل علامة فارقة في التحول الإنساني العميق. فهي المرأة التي لم تكن تهزها الجبال، لكنها انهارت رثاءً لأخيها في الجاهلية، ثم وقفت كالجبل الأشم في الإسلام وهي تودع أبناءها الأربعة في سبيل الله.

بين فجيعة الجاهلية وعظمة الإسلام

عاشت الخنساء شطراً من حياتها في الجاهلية، وقد فُجعت بفقد أخويها “معاوية” و”صخر”، وكان لصخر مكانة خاصة في قلبها، فملأت الدنيا نحيباً وشعراً، وقالت فيه أجمل مراثي العرب وأكثرها حزناً، لعل أشهرها قولها:

“قذىً بعينِكِ أم بالعينِ عُوارُ.. أم ذرّفت إذ خلت من أهلها الدارُ”

ظلت الخنساء سنوات طويلة لا تجف لها دمعة، تلبس الحزن رداءً، حتى أشرق نور الإسلام، فأسلمت مع قومها وبايعت النبي ﷺ. وهنا حدث التحول المذهل؛ فلم يغير الإسلام لسانها الشعري فحسب، بل غير روحها وعقيدتها، وحوّل “الخنساء الباكية” إلى “الخنساء الصابرة”.

الموقف الخالد: خنساء القادسية

تجلت العبرة الأسمى في حياة الخنساء يوم معركة القادسية. لم تخرج الخنساء باكية على أبنائها، بل خرجت تحرضهم على القتال وتوصيهم بالثبات، قائلة لهم كلمات تُكتب بماء العين:

“يا بنيّ، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله غيره إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة.. فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين، فغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين”.

وعندما انجلت المعركة، وصلها الخبر الصاعق: لقد استشهد أبناؤها الأربعة في يوم واحد. لم تشق ثوباً، ولم تخمش وجهاً، ولم تبكِ كما بكت صخراً في الجاهلية، بل رفعت رأسها إلى السماء وقالت بكل يقين:

“الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته”.

العبر المستفادة من قصة الخنساء

قوة العقيدة في تغيير النفس: قصة الخنساء تثبت أن الإيمان هو القوة الوحيدة القادرة على تهذيب المشاعر الجامحة وتحويل الحزن الشخصي إلى يقين بالجزاء الإلهي.

الصبر الجميل: علمتنا الخنساء أن الفقد مؤلم، لكن الصبر لا يعني عدم الإحساس، بل يعني الرضا بقضاء الله والاحتساب، ففرق كبير بين بكاء اليأس وبكاء الاشتياق مع الرضا.

دور المرأة في بناء الأمة: لم تكن الخنساء مجرد شاعرة، بل كانت “مدرسة” في التربية؛ فالأم التي تزرع الشجاعة في أبنائها هي التي تصنع نصر أمتها.

توجيه الموهبة: استخدمت الخنساء بلاغتها في الجاهلية للرثاء، وفي الإسلام استخدمتها للتحفيز والدعوة، مما يعلمنا ضرورة تسخير مواهبنا فيما ينفع ويرفع القدر عند الله.

لقد رحلت الخنساء، لكنها تركت لنا درساً حياً بأن الإنسان، مهما بلغ به الضعف أمام الفقد، يمكنه باليقين والإيمان أن يتحول إلى رمز للصمود، وأن الدموع التي جفت في سبيل الله هي التي تروي أشجار العزة في تاريخنا.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *