ما وراء الأسباب: مريم عليها السلام والدرس الخالد في اليقين

 

بقلم سحر مهني

 

 

تظل قصة السيدة مريم ابنة عمران، البتول التي اصطفاها الله على نساء العالمين، واحدة من أعظم الشواهد التاريخية والإيمانية التي تقف حائلة أمام المنطق البشري المحدود، لتفتح آفاقاً واسعة حول مفهوم القدرة الإلهية المطلقة. هي ليست مجرد سردية تاريخية، بل هي دستور حياة لكل من ضاقت به السبل وانقطعت به الأسباب.

تحدي القوانين المادية

في عالمنا المعاصر، نعتمد بشكل كلي على “قانون العلة والمعلول”؛ فلكل نتيجة سبب مادي يسبقها. لكن قصة السيدة مريم جاءت لتكسر هذا الجمود. فحملها بنبي الله عيسى -عليه السلام- دون زواج لم يكن مجرد معجزة بيولوجية، بل كان إعلاناً صريحاً بأن مُسبّب الأسباب لا يحده قانون.

عندما تساءلت مريم بدهشة المؤمن: “أنَّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر”، جاء الرد الإلهي حاسماً: “قال كذلكِ قال ربكِ هو عليَّ هين”. هنا تتلاشى كلمة “مستحيل” في حضرة القدرة التي تقول للشيء “كن فيكون”.

الرزق في أحلك الظروف

لم تكن المعجزة في الميلاد فقط، بل سبقتها معجزة الرزق في المحراب. فكان يجد عندها زكريا -عليه السلام- فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. إنها رسالة طمأنينة لكل إنسان يخشى فوات الرزق أو ضيق الحال؛ فالله الذي رزق مريم في عزلتها، كفيل بأن يفتح أبواباً لم تكن في الحسبان لمن طرق بابه بصدق.

الموعظة: اليقين بوصفه سكينة

الدرس الأهم الذي تقدمه لنا هذه القصة هو قوة اليقين. فالمواجهة التي خاضتها مريم أمام قومها كانت تتطلب شجاعة تفوق طاقة البشر، لكن “السكينة” التي قذفها الله في قلبها جعلتها تواجه القدر بصمت الواثق.

خلاصة القول: إن اليقين بالله لا يعني انتظار المعجزات فحسب، بل يعني التسليم بأن تدبير الله لنا أفضل من تدبيرنا لأنفسنا، وأن العجز البشري هو المنطلق الحقيقي لظهور القدرة الإلهية.

مريم عليها السلام علمتنا أن الأسباب أدوات بيد الخالق، نأخذ بها تعبداً، ولا نعتمد عليها حصراً، فمن كان مع الله، طوع الله له المستحيل.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *