قصه وعبره
بقلم: سحر مهني
في عمق التاريخ، وعلى شواطئ قرية بحرية عاش فيها بنو إسرائيل، وقعت حادثة لم تكن مجرد عذاب حلّ بقوم، بل كانت اختباراً إلهياً دقيقاً للنوايا البشرية. قصة “أصحاب السبت” ليست مجرد سرد لمسخ بشري إلى قردة، بل هي مانشيت عريض يقرأه التاريخ لكل من يحاول الالتفاف على القوانين السماوية بـ “الذكاء” الشكلي.
الاختبار: صراع الجوع والتقوى
بدأ الأمر بابتلاء إلهي غريب من نوعه؛ فقد حُرّم على سكان هذه القرية الصيد يوم السبت تقديساً لهذا اليوم وتفرغاً للعبادة. ولأن الابتلاء يأتي دائماً في موضع الضعف البشري، كانت الحيتان والأسماك “تأتي حيتانهم يوم سبتهم شُرّعاً”، أي طافية بكثرة على سطح الماء، بينما تغوص وتختفي تماماً في بقية أيام الأسبوع.
كان المشهد مغرياً للنفوس الضعيفة: ثروة هائلة أمام الأعين، وقانون صارم يمنع لمسها.
فلسفة الحيلة: عندما يتحول الذكاء إلى خطيئة
لم يجرؤ هؤلاء على كسر الأمر الإلهي علانية بصيد السمك يوم السبت، فابتكروا ما نسميه اليوم “الالتفاف القانوني”. قاموا بنصب شباكهم وحفر بركهم يوم الجمعة، لتسقط فيها الأسماك يوم السبت، ثم يقومون بجمعها يوم الأحد.
في منطقهم المادي، هم لم “يصيدوا” يوم السبت! لكن في ميزان العدل الإلهي، كان هذا استهزاءً بجوهر العبادة. لقد حافظوا على “شكل” الأمر وضيعوا “مقصده”، فالعبرة في الأوامر الإلهية هي الامتثال لا التحايل على المظاهر.
انقسام المجتمع: الصامتون والناصحون والآثمون
لم يكن المجتمع كتلة واحدة أمام هذا الانحراف، بل انقسم إلى ثلاث فئات:
العصاة: الذين مارسوا الحيلة وظنوا أنهم خدعوا القدر.
الوعاظ: الذين لم يسكتوا، وحذروا من مغبة هذا الاستهتار.
السلبيون: الذين اعتزلوا الفئتين، بل وعتبوا على الوعاظ قائلين: “لمَ تعظون قوماً الله مهلكهم؟”، فكان الرد الإيماني القاطع: “معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون”.
النهاية المأساوية: المسخ المعنوي والمادي
حين لم تجدِ النصيحة نفعاً، جاء القرار الإلهي حاسماً. لم يكن العقاب مجرد هلاك بالريح أو الصيحة، بل كان عقاباً من جنس العمل. وبما أنهم مسخوا أوامر الله وحوّروها، فقد مسخ الله صورهم إلى قردة خاسئين.
يقول المفسرون إنهم صاروا قردة لها قلوب بشر، يعرفون بعضهم البعض لكنهم لا يستطيعون النطق، فكانت حسرة ما بعدها حسرة، ودرسًا للأجيال القادمة بأن الله لا يُخدع.
العبرة هل ما زلنا “نحتال”؟
إن قصة أصحاب السبت تتجاوز الزمان والمكان، فهي تضرب في صميم الواقع المعاصر:
في المعاملات: حين نغير أسماء المحرمات لنستحلها (كالربا الذي يسمى فوائد، أو الرشوة التي تسمى هدايا).
في الأخلاق: حين نتمسك بالشعائر الظاهرة ونفرغها من جوهرها الإنساني.
الخلاصة: إن الله الذي خلق العقل لا يُرضيه أن يُستخدم العقل في الالتفاف على أوامره. فالإيمان ليس “شطارة” في إيجاد الثغرات، بل هو صدق في الاستجابة. وكما قيل قديمًا: “لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى مَن عصيت”.

اترك تعليقاً