قصه وعبره  من خلف أسوار القصور إلى رحاب الإيمان: قصة “الدراهم الأربعة” التي غيرت مصير غلام وسيده

 


بقلم: سحر مهني

في زحام الحياة المادية التي نعيشها اليوم، يفتقر الكثير منا إلى القصص التي تذكرنا بأن “الصفقات” الرابحة ليست دائمًا تلك التي تُعقد في البورصات أو الأسواق، بل قد تكون دعوة صادقة تُشترى بصدقة خفية. نعود اليوم بذاكرة التاريخ إلى مشهد إيماني مهيب، بطله غلام مملوك، وزاهد عابد يُدعى “منصور بن عمار”، في قصة تُعد من روائع التراث الإسلامي التي تجسد قوة اليقين وأثر التوبة.

بداية الحكاية: دراهم معدودة وطموحات تعانق السماء

تبدأ أحداث القصة عندما أرسل أحد الأسياد غلامه ليشتري له بعض الحاجيات، وأعطاه أربعة دراهم. وفي طريقه، مرّ الغلام بمجلس العالم الزاهد منصور بن عمار، فسمعه يقول للناس: “من يعطيني أربعة دراهم لأدعو له أربع دعوات؟”.

هنا، توقف الغلام طويلًا. لم ينظر إلى الدراهم كقيمة مادية سيُحاسبه عليها سيده، بل نظر إليها كـ “تأشيرة عبور” نحو حياة جديدة. تقدم الغلام ودفع الدراهم الأربعة للزاهد، فسأله منصور: “ما هي دعواتك؟”.

حدد الغلام أمنياته بدقة، وهي أمنيات تلخص رحلة الإنسان من العبودية إلى الحرية، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الذنب إلى المغفرة:

أن يُعتقه الله من العبودية.

أن يُعوضه الله عن الدراهم الأربعة.

أن يتوب الله على سيده.

أن يغفر الله له، وللمصلين، وللداعي.

رفع منصور بن عمار يديه إلى السماء، ودعا باليقين الذي يهز الجبال، بينما انصرف الغلام بقلب خافق نحو سيده، مدركًا أنه قد يواجه عقابًا شديدًا لتأخره وضياع المال.

المواجهة: حين يلين القلب القاسي

وصل الغلام إلى الدار متأخرًا، فاستقبله سيده بغضب قائلًا: “أين كنت؟ وأين الحاجيات؟”. قصّ الغلام الحكاية بصدق، وأخبره عن المقايضة التي أجراها مع الزاهد. سأله السيد بفضول: “وماذا كانت الدعوات؟”.

قال الغلام: “سألتُ الله أن يعتقني”، فرد السيد بروح مغتبطة: “اذهب، فأنت حر لوجه الله”.

سأله: “وما الثانية؟”، قال: “أن يعوضني الله عن الدراهم”، فقال السيد: “لك أربعة آلاف درهم”.

سأله: “وما الثالثة؟”، قال: “أن يتوب الله عليك”، فنكس السيد رأسه خجلًا وقال: “تُبت إلى الله من ساعتي هذه”.

توقف الغلام عند الدعوة الرابعة: “وأن يغفر الله لي ولكم”، هنا خيم الصمت على المكان، فالسيد رغم قوته لا يملك صكوك الغفران، فقال بتواضع: “هذه ليست إليّ، بل إلى الغفور الرحيم”.

الخاتمة: رسالة سماوية في المنام

تقول الرواية إن السيد نام في تلك الليلة، فسمع هاتفًا في منامه يقول له: “أنت فعلت ما عليك، أتظن أننا لا نفعل ما علينا؟ لقد غفر الله لك، وللغلام، ولمنصور بن عمار، ولكل من حضر المجلس”.

إن هذه القصة ليست مجرد حكاية من الماضي، بل هي مانشيت عريض لكل إنسان يبحث عن مخرج من ضيقه. إنها تعلمنا أن العطاء هو أقصر الطرق للأخذ، وأن التوبة ليست مجرد قرار فردي، بل قد تكون ثمرة لدعوة صادقة بظهر الغيب.

في زمن “المادة”، تظل قصة الدراهم الأربعة تذكيرًا بأن القلوب بيد خالقها، وأن ثمن الجنة والحرية قد يكون أبسط مما نتخيل، إذا ما اقترن بالصدق والإخلاص.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *