كتبت هدى العيسوى
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مرتبطة بالحاسوب والبرمجة، فقد بدأ يدخل تدريجيًا في مجالات تمس حياة الإنسان بصورة مباشرة، ويأتي القطاع الصحي في مقدمة هذه المجالات. ومع هذا التوسع تظهر أسئلة تتجاوز قدرة الخوارزميات على معالجة البيانات، لتصل إلى قضايا الثقة والتواصل والتعاطف والعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.
ضمن هذا السياق يأتي اهتمام المهندس حيدر إبراهيم أحمد بخيت بمجال الطب الرقمي، باعتباره أحد المجالات التي تفتح مساحة للبحث في العلاقة بين التكنولوجيا والرعاية الصحية، وكيف يمكن للأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي أن تساعد في تطوير الخدمات دون أن يصبح الجانب الإنساني أقل حضورًا.
حيدر يمتلك خلفية أكاديمية ومهنية في هندسة البرمجيات، وواصل دراساته العليا مع تركيز على هندسة الذكاء الاصطناعي. ومع انتقال اهتمامه إلى التطبيقات الصحية، أصبح السؤال أكثر تعقيدًا؛ لأن بناء نظام تقني في المجال الطبي يختلف عن بناء تطبيق تجاري أو منصة خدمية.
في التطبيقات الصحية، يمكن لقرار تقني أو معلومة رقمية أن يكون لها تأثير مباشر على تجربة المريض. ولذلك فإن تصميم الأنظمة يحتاج إلى مراعاة الدقة وسهولة الاستخدام والخصوصية وأمن البيانات، إلى جانب فهم الطريقة التي يتعامل بها المستخدمون مع التكنولوجيا.
ومن هنا تظهر أهمية مفهوم الطب الرقمي، الذي لا يقتصر على استخدام الأجهزة أو البرامج داخل المستشفيات، وإنما يشمل مجموعة واسعة من الحلول التي تعتمد على التكنولوجيا لتحسين الوصول إلى المعلومات والخدمات الصحية ودعم الأطباء والمرضى.
لكن التطور التقني يفتح في الوقت نفسه مجموعة من الأسئلة الإنسانية.
هل يمكن للمريض أن يثق في نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي؟ وهل يستطيع النظام تقديم المعلومات بطريقة يفهمها الشخص غير المتخصص؟ وكيف يمكن الحفاظ على العلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض عندما تدخل التكنولوجيا في مراحل مختلفة من عملية الرعاية؟
هذه الأسئلة لا تملك إجابات تقنية فقط، لأنها ترتبط بالسلوك والتواصل وطريقة اتخاذ القرار أيضًا.
وهنا يصبح دور مهندس البرمجيات مختلفًا. فهو لا يبني النظام بمعزل عن المستخدم، وإنما يحتاج إلى فهم البيئة التي سيعمل فيها النظام، والأشخاص الذين سيستخدمونه، والمشكلات التي من المفترض أن يحلها.
وفي المجال الطبي تحديدًا، يمكن أن تكون تجربة المستخدم عاملًا مهمًا في نجاح الحل الرقمي. فإذا كان النظام معقدًا أو غير واضح، فقد لا يحقق الفائدة المتوقعة منه مهما كانت التقنيات المستخدمة في بنائه متقدمة.
ويكتسب هذا الجانب أهمية أكبر مع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات والمساعدة في اكتشاف الأنماط وتقديم التوصيات ودعم بعض العمليات الطبية والإدارية.
لكن استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة يحتاج أيضًا إلى التعامل بحذر مع البيانات، خصوصًا أن المعلومات الصحية من أكثر أنواع البيانات حساسية. ولذلك ترتبط هندسة الأنظمة الصحية بقضايا مثل حماية الخصوصية، وضمان أمن البيانات، وتحديد المسؤوليات، وفهم حدود النظام.
ومن هذه الزاوية، يبدو اهتمام حيدر بالطب الرقمي امتدادًا طبيعيًا لمساره في هندسة البرمجيات والذكاء الاصطناعي. فالموضوع يجمع بين ثلاثة عناصر أساسية في تجربته: التكنولوجيا، وحل المشكلات، والإنسان.
ولا تأتي هذه العلاقة من الجانب الأكاديمي فقط. فقد عمل حيدر خلال مسيرته في تطوير الحلول الرقمية وتدريب المستخدمين على الأدوات التقنية، وهي خبرات تجعله يتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها وسيلة يجب أن تكون مفهومة وقابلة للاستخدام، وليس مجرد مجموعة من الأدوات المتقدمة.
كما أن اهتمامه بالتواصل الإنساني يظهر بصورة أخرى في تجربته التطوعية في كندا، حيث شارك في الترجمة المجتمعية ومساعدة المهاجرين والقادمين الجدد في الوصول إلى المعلومات والخدمات.
ورغم اختلاف المجالين، توجد نقطة مشتركة بينهما. ففي العمل التطوعي، يكون الهدف مساعدة الشخص على فهم معلومة أو الوصول إلى خدمة، بينما في الطب الرقمي يكون التحدي هو استخدام التكنولوجيا بطريقة تساعد المريض أو الطبيب على الوصول إلى المعلومات والخدمة الصحية بصورة أفضل.
وفي الحالتين، لا تكون التكنولوجيا هي الغاية النهائية، وإنما وسيلة لتقليل التعقيد وإزالة بعض العوائق.
ويبدو هذا المفهوم مهمًا بصورة خاصة في السنوات الحالية، مع دخول الذكاء الاصطناعي بسرعة إلى مختلف القطاعات. فالتحدي لم يعد فقط في امتلاك الأدوات، وإنما في معرفة المكان المناسب لاستخدامها، والطريقة التي يمكن من خلالها تحقيق الفائدة مع تقليل المخاطر.
وفي الطب، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية؛ لأن التكنولوجيا تتعامل مع الإنسان في ظروف قد يكون فيها أكثر احتياجًا إلى الثقة والوضوح والدعم.
ولهذا فإن مستقبل الطب الرقمي لن يعتمد على تطور الخوارزميات وحده، بل على قدرة المتخصصين من مجالات مختلفة على العمل معًا: الأطباء، ومهندسو البرمجيات، وخبراء البيانات، والمتخصصون في أمن المعلومات، والباحثون في السلوك والتواصل.
ومن بين هذه التقاطعات يمكن أن تتشكل حلول صحية أكثر قدرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون أن تفقد فهمها للمستخدم.
وبالنسبة إلى حيدر إبراهيم، يمثل هذا المجال امتدادًا لرحلة بدأت بهندسة البرمجيات ثم انتقلت إلى الحلول الرقمية والإدارة التقنية، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي والاهتمام بالتطبيقات الصحية.
إنها رحلة لا تبحث فقط عن كيفية جعل التكنولوجيا أكثر ذكاءً، وإنما عن كيفية جعلها أكثر فائدة للإنسان.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم في مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي ليس فقط: ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟ وإنما أيضًا: كيف يمكن أن تستخدم هذه القدرة بطريقة تحافظ على الثقة والتواصل والخصوصية، وتضع الإنسان في مركز العملية؟
وهنا تلتقي التكنولوجيا بالطب، وتتحول هندسة البرمجيات من مجرد بناء أنظمة إلى محاولة لفهم الطريقة التي يمكن بها لهذه الأنظمة أن تخدم الإنسان بصورة أفضل.

اترك تعليقاً