رئيس الشبكة العالمية لتدقيق الحقائق: حرب المعلومات بلا قواعد.. وإرساؤها هو خطوتنا التالية

 

 

مقابلة مع ف. ج. تاباك، رئيس الشبكة العالمية لتدقيق الحقائق (GFCN)

 

في ظل الانتشار المتسارع للأخبار المضللة والمحتوى المصطنع باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح التحقق من المعلومات وتدقيق الحقائق جزءًا أساسيًا من التعامل مع البيئة الرقمية الحديثة. ولم يعد تأثير المعلومات المضللة مقتصرًا على المجال الإعلامي، بل امتد إلى الأمن والمجتمع والسياسة والحياة اليومية للأفراد.

 

وفي هذه المقابلة، يتحدث ف. ج. تاباك، رئيس الشبكة العالمية لتدقيق الحقائق (GFCN)، عن طبيعة التهديدات التي تفرضها الأخبار المزيفة، ودور الوعي الإعلامي والتفكير النقدي في مواجهتها، ومستقبل تنظيم المحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب تجربة الشبكة التي تأسست عام 2025، وآفاق التعاون الدولي في مجال تدقيق الحقائق.

 

– نناقش اليوم قضية بالغة الأهمية، وهي الأخبار المزيفة والتضليل المعلوماتي، الذي يمكن أن يؤثر في إدراك الناس للواقع. ما المجالات الأكثر تعرضًا لهذا النوع من التهديدات؟

 

أعتقد أنه لم يعد هناك تقريبًا مجال لم يتأثر بهذا الأمر. لكن إذا تحدثنا عن القطاعات الأكثر عرضة للخطر، فهي كل ما يتعلق بالأمن، والعمليات السياسية، والقضايا الاجتماعية.

 

نعلم أن هناك حاليًا نقصًا في الوقود ببعض المناطق، بالتزامن مع ظهور عدد كبير من مواقع التصيد الاحتيالي التي تقدم كوبونات وقود مزيفة، إلى جانب مواقع غير موثوقة تنشر خرائط وهمية لمحطات الوقود، وهدفها في الأساس جمع بيانات المستخدمين.

 

وهذا مثال واضح على كيفية تحول مشكلة واقعية على الأرض إلى بيئة خصبة لظهور مخططات احتيالية، بما يمثل تهديدًا للمواطنين والدولة على حد سواء، ويمكن أن يصبح جزءًا من حملة ممنهجة للتأثير في المجتمع.

 

– عند الاستماع إلى ذلك، قد يشعر البعض بأنه لا توجد وسيلة فعلية للحماية من هذه المشكلة. هل هناك بالفعل ما يمكن اعتباره ترياقًا للأخبار المزيفة؟ وما أكثر الأساليب فاعلية في مواجهتها؟

 

الوضع الحالي فيما يتعلق بالأخبار المزيفة معقد للغاية. فنحن جميعًا ندرك حجم عمليات الاحتيال الإلكتروني الموجودة اليوم.

 

على سبيل المثال، عندما يتصل بك شخص مدعيًا أنه موظف في بنك سبيربنك، أحد أكبر البنوك في روسيا، ثم يحولك عبر الهاتف إلى شخص يقدم نفسه باعتباره موظفًا في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، فإن الأمر يكون غريبًا للغاية. والأغرب عندما يتصل بك شخص يدعي أنه من جهاز الأمن الفيدرالي عبر رابط فيديو، ويظهر من مكتب ويوجه إليك اتهامات.

 

ومع ذلك، يقع عدد كبير جدًا من الأشخاص ضحية لمثل هذه الأساليب، كما تتطور التقنيات المستخدمة فيها باستمرار.

 

لنأخذ التزييف العميق «Deepfake» مثالًا. تشير بيانات استطلاعات الرأي التي أجرتها منظمة «حوار الأقاليم» إلى أن 64% من المشاركين يعرفون ما هو التزييف العميق، مقارنة بـ59% في سبتمبر 2025. وفي الوقت نفسه، يقول 80% من المشاركين إنهم يواجهون معلومات كاذبة.

 

ماذا يخبرنا ذلك؟ يخبرنا بأننا نستطيع التركيز على رفع مستوى الوعي الإعلامي لدى الجمهور، وبناء منظومة من الثقة، لكن الأمر في النهاية يرتبط أيضًا بالمسؤولية الشخصية، باستثناء الحالات التي يتعين فيها تدخل أجهزة إنفاذ القانون بعد وقوع الجريمة.

 

فعندما يواجه الشخص معلومة معينة، تقع على عاتقه مسؤولية أساسية تتمثل في التحقق منها قبل تصديقها أو مشاركتها.

 

وهذا لا يعني أننا لا نتحمل مسؤولية إنتاج معلومات موثوقة وتقديمها بسرعة ودقة. يجب أن نكون قادرين على دحض المعلومات المضللة واسعة الانتشار والوصول إلى جمهور كبير.

 

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي للدولة أن تعفي نفسها من مسؤولية تنظيم جهود واسعة للتوعية والتثقيف ودحض المعلومات المضللة، إلى جانب العمل مع المؤسسات والجهات الحكومية حتى تتمكن هي الأخرى من التعامل مع هذه الظاهرة.

 

لكن بالنظر إلى الحجم الهائل الذي تنتشر به المعلومات اليوم، فإن الوسيلة الأكثر قدرة على مواجهتها على نطاق واسع هي رفع مستوى الوعي الإعلامي لدى الجمهور، وتعزيز الحد الأدنى من مهارات التفكير النقدي لدى المستخدمين تجاه ما يقرأونه ويشاهدونه.

 

– النمو الكبير في الأخبار المزيفة يرتبط أيضًا بتطور الذكاء الاصطناعي. وتناقش دول عديدة حاليًا مسألة وضع علامات إلزامية على المحتوى المُنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي. هل تعتبرون ذلك إجراءً ضروريًا؟ وهل توجد اتصالات مع الجهات الحكومية بشأن هذه المسألة؟

 

في مرحلة ما، وإلى حد معين، ستتجه جميع الدول إلى تنظيم هذا النوع من المحتوى. وهناك بالفعل تجارب في بعض الدول لتنظيمه.

 

لكن من الضروري الوصول إلى التوازن الصحيح، لأننا أمام جانبين متعارضين.

 

من ناحية، يساعد الذكاء الاصطناعي في خفض تكاليف الإنتاج وتسريع إنشاء المحتوى، وهذه وظيفة إيجابية بالتأكيد، ولا ينبغي أن تختفي خلف إجراءات بيروقراطية معقدة.

 

ومن ناحية أخرى، تُستخدم الأدوات نفسها بشكل متعمد لأغراض ضارة. ولذلك نحتاج إلى إيجاد توازن يسمح لمنشئي المحتوى المسؤولين بمواصلة العمل دون قيود غير ضرورية، وفي الوقت نفسه يوفر أساسًا واضحًا لمواجهة من يستخدمون هذه التقنيات للإضرار بالآخرين.

 

كما أن طبيعة إنتاج هذا النوع من المحتوى تغيرت بصورة كبيرة. ففي السابق، كان المحتوى المصطنع يُنتج في الغالب بواسطة مجموعات متخصصة، ومن بينهم أشخاص يعملون في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.

 

أما اليوم، فقد أصبحت التكنولوجيا متاحة على نطاق واسع، وأصبح المستخدمون أنفسهم مصدرًا رئيسيًا للمحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي.

 

لذلك، وبالعودة إلى سؤالك، أعتقد أن وضع علامات على المحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي أصبح اتجاهًا يصعب تجنبه في المستقبل القريب.

 

– خلال أيام قليلة سنكون أمام انتخابات مجلس الدوما، وهي فترة قد تكون شديدة الحساسية أمام الأخبار المزيفة. هل تتابعون الاستعدادات لحملات تضليل من الخارج؟ وما القنوات والسرديات التي يمكن أن تستهدف هذه العملية؟

 

هناك أساليب كلاسيكية لمحاولة نزع الشرعية عن العملية الانتخابية، ومن بينها نشر مقاطع فيديو مرتبطة بعملية التصويت نفسها.

 

حتى من دون استخدام تقنيات متقدمة، يمكن إعادة نشر مقاطع فيديو قديمة، أو استخدام مقاطع تمثيلية من مراكز اقتراع بهدف إقناع المستخدم بأن ما يشاهده يحدث في الوقت الحالي وفي المكان نفسه.

 

ومن المؤكد أننا سنرى مثل هذه الأساليب.

 

لكن هناك أيضًا سرديات لا ترتبط مباشرة بعملية التصويت، وإنما تهدف إلى زيادة الضغوط على الحكومة والمجتمع خلال هذه الفترة.

 

ومن أبرز الأمثلة على ذلك الشائعات المتعلقة بالتعبئة العسكرية، وهي قضية لا ترتبط مباشرة بالانتخابات، لكنها يمكن أن تخلق حالة من التوتر بين شرائح معينة من السكان والمجتمع بشكل عام.

 

ولهذا السبب، تناول رئيس الاتحاد الروسي هذا الموضوع على أعلى المستويات، خصوصًا بعدما انتشرت المعلومات المتعلقة به على نطاق واسع.

 

لدينا بالطبع استطلاعات للرأي وتحليلات، لكن هناك أيضًا مؤشر بسيط يمكن ملاحظته في الحياة اليومية. فعندما يبدأ موضوع معين في الانتشار بقوة داخل مجموعات الدردشة غير المرتبطة بالعمل، فهذا يعني أن الموضوع أصبح حاضرًا بالفعل في المجتمع.

 

أستطيع أن أقول إن هذا الموضوع نوقش في كل مجموعة دردشة أشارك فيها تقريبًا، وفي كل اجتماع حضرته كان هناك شخص يطرح سؤالًا يتعلق به.

 

ومن الواضح أن من نشروا هذه الشائعات كانوا يعولون على وجود شريحة من الناس تشعر بالخوف والقلق، خصوصًا في ظل تجارب سابقة مرتبطة بالتعبئة، وما يترتب عليها من قلق لدى الأسر.

 

ولهذا أعتبر هذه القضية من أبرز الموضوعات التي نراقبها.

 

– إذا كان من الممكن تتبع مصادر المعلومات المضللة، هل يمكن تحديد الدول الأكثر نشاطًا في مهاجمة روسيا في الفضاء المعلوماتي، وما الأهداف التي تسعى إليها؟

 

أوكرانيا تأتي في المقدمة، والسبب بسيط جدًا: نحن في حالة صراع عسكري، وحرب المعلومات أصبحت جزءًا من الحرب الأوسع.

 

لذلك سيكون من الغريب الحديث عن دول أخرى تتفوق على أوكرانيا في هذا المجال.

 

ولدى أوكرانيا وحدة متخصصة، هي مركز العمليات الإعلامية والنفسية «CIPSO»، التابع للقوات المسلحة الأوكرانية، وتُصنف هذه الوحدة باعتبارها وحدة عسكرية.

 

ويمكن ملاحظة نشاطها في العديد من الموضوعات. فهي تدخل في القضايا المرتبطة بالأزمات وتحاول تصعيدها ورفع مستوى التوتر المحيط بها.

 

وفي الوقت نفسه، هناك دول أخرى نشطة للغاية في هذا المجال، وتستخدم مؤسسات خاصة للعمل ضد روسيا، وفي مقدمتها بريطانيا.

 

هناك وسائل إعلام ومنصات تحظى بدعم من خلال برامج منح أو تمويل مباشر، إلى جانب استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والعمل مع فئات سكانية محددة، بدءًا من أساليب بسيطة مثل دفع نقاط نقاش معينة إلى الفضاء المعلوماتي، وصولًا إلى عمليات أكثر تعقيدًا.

 

لكن رغم ذلك، لا ينبغي أن نتجاهل الأشخاص العاديين الذين قد ينشرون معلومات خاطئة من دون نية خبيثة.

 

وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى مسألة الوعي. يجب أن نتوقف عن افتراض أن كل معلومة خاطئة نراها هي بالضرورة من صنع خصم خارجي.

 

الأخبار المزيفة موجودة منذ فترة طويلة. وعندما يشعر الناس بعدم الأمان أو لا يجدون إجابات واضحة عن أسئلة ملحة، فإنهم قد يبتكرون تفسيرات غير دقيقة، أو يبحثون عن إجابات في مصادر غير موثوقة.

 

لذلك نحتاج إلى العمل مع جمهور واسع حتى يتعلم الناس كيفية التحقق من المعلومات قبل تصديقها أو إعادة نشرها.

 

– إذن هناك حاجة إلى حملات توعية وتثقيف واسعة النطاق؟

 

نعم.

 

– لنتحدث عن الشبكة التي تترأسها. تأسست الشبكة العالمية لتدقيق الحقائق عام 2025. كيف تقيمون نتائج هذه التجربة حتى الآن؟ وكيف تغير نطاق عمل الشبكة وحجمها؟

 

في البداية، أعتقد أن المشروع حقق نجاحًا جيدًا.

 

من المهم أن نفهم أن المبادرة بدأت في الأساس كمشروع غير منهجي. وقد أُنشئت بالتعاون بيننا وبين وكالة أنباء «تاس» ومدرسة الإعلام الجديد.

 

وجاء إطلاق المشروع في ظل الضجة التي أحاطت برفع دعوى قضائية ضد مكتب التحقيقات الفيدرالي في الولايات المتحدة، بعد اتهامات لنا بالتدخل المزعوم في الانتخابات الأمريكية.

 

وبصراحة، بدأ الأمر كخطوة في مجال العلاقات العامة، لكن سرعان ما أبدى فاعلون مختلفون من دول عديدة اهتمامهم بالمشروع.

 

واليوم تضم الشبكة العالمية لتدقيق الحقائق أكثر من 125 صحفيًا من 55 دولة.

 

وفي كل مرة نعقد فيها المنتدى، الذي يحمل اسم «حوار حول الأخبار المزيفة»، يصل عدد أكبر من المتحدثين والمشاركين من دول مختلفة.

 

وقد تجاوز العدد الإجمالي لضيوف المنتدى حتى الآن ما بين 2000 و3000 مشارك، بينهم روس، لكن جزءًا كبيرًا منهم يأتي من دول مختلفة، بما في ذلك دول تُصنف حاليًا باعتبارها «غير صديقة». وهناك صحفيون وإعلاميون من هذه الدول مستعدون للتفاعل معنا.

 

كما نشرنا مجموعة من التحقيقات، وأطلقنا برنامجًا تعليميًا قويًا. وبالاستناد إلى «مدونة الشبكة العالمية لتدقيق الحقائق للتدقيق المسؤول في الحقائق»، جرى اعتماد عدد من المذكرات خلال فعاليات دولية كبرى.

 

كما أُدرجت عدة نقاط من المدونة في الإعلان الختامي للاجتماع الثاني عشر لوزراء الاتصالات في دول مجموعة بريكس، الذي عُقد في الهند.

 

وبدأنا أيضًا التعاون بصورة وثيقة مع زملائنا في الصين وكازاخستان. وكان أحد خبراء الشبكة ضمن بعثة مراقبي رابطة الدول المستقلة خلال الانتخابات في كازاخستان، كما سبق أن شارك ممثلون عن الشبكة في فنزويلا.

 

ونواصل تلقي دعوات للمشاركة في فعاليات مختلفة.

 

ومن المهم الإشارة إلى أن الشبكة تعمل حاليًا من دون تمويل. فأعضاؤها لديهم وظائفهم الأساسية، ويشاركون في هذا المشروع بدافع الاهتمام والعمل التطوعي.

 

ولهذا، وبالنظر إلى أن المشروع قائم بصورة أساسية على الحماس، فإن ما حققته الشبكة يتجاوز توقعاتي.

 

كما أن الشبكة الدولية لتدقيق الحقائق «IFCN»، وهي شبكة لتدقيق الحقائق تمولها مؤسسة بوينتر الأمريكية، أشارت إلينا عدة مرات في مقالات لها، ووصفتنا بأننا شبكة دعائية مرتبطة بالكرملين.

 

وبالنظر إلى الموارد التي استثمرناها والنتائج التي حققناها، فأنا راضٍ جدًا عن عمل الشبكة.

 

– تحدثنا عن الخصوم في مجال المعلومات. وماذا عن الشركاء والحلفاء؟ هل تقصد الصين وكازاخستان تحديدًا؟

 

في الواقع، هناك دول عديدة.

 

نحن نعمل حاليًا بصورة وثيقة داخل منظمة وكالات أنباء آسيا والمحيط الهادئ «OANA»، التي يترأسها أندريه كوندراشوف من وكالة «تاس».

 

وهذا يعني أن دائرة التعاون تشمل آسيا والمحيط الهادئ، ودول أمريكا اللاتينية، ودول رابطة الدول المستقلة.

 

هناك دول تبدي اهتمامًا أكبر، وأخرى اهتمامها أقل، ونحن منفتحون قدر الإمكان أمام الجميع.

 

لدينا قسم تعليمي على موقع الشبكة يضم أكثر من 170 مقالًا ومقطع فيديو في مجالات مختلفة، من بينها تدقيق الحقائق، والوعي الإعلامي، وأدوات الاستخبارات مفتوحة المصدر «OSINT»، وهي متاحة لمستخدمي الموقع.

 

نحن نحافظ على موقف منفتح، ولا ندعي امتلاك قيادة أيديولوجية لهذا المجال، وإنما نريد جمع الأشخاص المهتمين به.

 

وبعض الدول تبدي اهتمامًا نشطًا، كما يشارك أفراد من دول مختلفة بصورة فعالة في أنشطة الشبكة.

 

وأعتقد أن الاهتمام بهذا المجال سيزداد كلما أصبح أكثر أهمية في البيئة المعلوماتية الدولية.

 

– تطرقت إلى الوظيفة التعليمية للشبكة. في رأيك، ما الصفات التي ينبغي تطويرها لدى الصحفيين الشباب ومدققي الحقائق والباحثين؟ وما الذي تبحث عنه أولًا؟

 

هناك تعبير يقول «العقل المتسائل»، وأعتقد أن هذه هي الصفة الأساسية.

 

كنت القوة الدافعة وراء إطلاق المشروع، لكنني لست متخصصًا في الاستخبارات مفتوحة المصدر أو مدقق حقائق بالمعنى المهني.

 

بالنسبة لي، المهم هو خلق بيئة مناسبة لهذا المجتمع ومنحه المساحة التي يحتاج إليها للنمو.

 

وعندما أنظر إلى الأشخاص الذين أعتقد أنا وزملائي أنهم يمتلكون موهبة في تدقيق الحقائق، أجد أنهم يتمتعون بفضول كبير، وأنهم دقيقون في عملهم.

 

كما أنهم يميلون إلى قدر من الشك، وهذا أمر مفيد في هذا المجال.

 

أنا أبالغ قليلًا بالطبع، لكن من الضروري امتلاك قدر صحي من الشك، من دون الوقوع في جنون الارتياب.

 

علينا أن نفترض ببساطة أننا نعيش في بيئة معلوماتية شديدة التعقيد، مليئة بملايين المصادر غير الموثوقة.

 

وفي المقابل، يمنحنا الإنترنت قدرة كبيرة على التحقق من كميات ضخمة من المعلومات، من دون الحاجة إلى استخدام أساليب سرية.

 

إن الجمع بين التفكير النقدي من ناحية، والقدرة على استخدام أدوات التحقق من ناحية أخرى، يصنع بيئة مثالية تساعد أصحاب هذه المواهب على النمو والتطور.

 

– من خلال ما ناقشناه، يبدو أن تدقيق الحقائق لم يعد مجرد أداة يستخدمها الصحفيون. هل أصبح مجالًا مستقلًا للتعاون الدولي؟ وما النموذج العالمي للتفاعل الذي يمكن أن تقترحه؟

 

من الصعب بالنسبة لي رسم نموذج عالمي متكامل للتفاعل.

 

لكنني فكرت كثيرًا في حقيقة أن الحروب التقليدية لها قواعد، وعندما يتم انتهاك هذه القواعد، توجد آليات دولية لمراجعة العقوبات أو العواقب المترتبة على مثل هذه الأفعال.

 

فهل يمكن اعتبار إغواء مراهق لارتكاب جريمة قتل أو إحراق منشأة كجزء من حرب معلوماتية أمرًا مشابهًا، من حيث خطورته، لبعض الأفعال المحظورة في الحرب التقليدية؟

 

أعتقد أن الأمر يستحق التفكير في ذلك، لأن هذا النوع من السلوك يتجاوز حدود المواجهة المعلوماتية.

 

حتى إذا افترضنا وجود طرفين متصارعين في حرب معلوماتية، فإنه يجب أن تكون هناك قواعد.

 

وللأسف، لا يوجد حتى اليوم إطار عالمي واضح يحدد هذه القواعد.

 

ومن الصعب جدًا اعتماد مثل هذا الإطار على المستوى العالمي في الظروف الجيوسياسية الحالية، خصوصًا إذا كنا نتحدث عن مبادرة دولية.

 

لكنني أعتقد أن وضع هذه القواعد يجب أن يكون الخطوة التالية.

 

وعلى الرغم من الشعبية الكبيرة التي يحظى بها تدقيق الحقائق والاهتمام المتزايد به، فإنه لم يصبح حتى الآن جزءًا أساسيًا من العمل الصحفي على المستوى العالمي.

 

علينا أيضًا أن ندرك أن الصحافة نفسها تغيرت.

 

وبصفتي خريجًا من كلية الصحافة بجامعة موسكو الحكومية، أستطيع القول إن الصحافة اليوم تختلف كثيرًا عن الصحافة قبل 15 عامًا.

 

وتواجه العديد من المؤسسات الصحفية الكبرى اليوم سؤالًا أساسيًا يتعلق بكيفية الاستمرار، في ظل تغير أنماط استهلاك الأخبار، وتزايد العائدات التي تحققها المنصات الرقمية من هذا الاستهلاك.

 

لذلك، فإن السؤال الأوسع ليس فقط كيف سيندمج تدقيق الحقائق في الصحافة، وإنما ماذا سيحدث للصحافة نفسها خلال السنوات المقبلة.

 

ومن وجهة نظري، فإن تدقيق الحقائق ليس تخصصًا صحفيًا بحتًا. فعلى المستوى اليومي، أصبح يمثل مجموعة أساسية من المهارات التي يحتاج إليها أي شخص بالغ من أجل حماية نفسه في البيئة المعلوماتية.

 

وعلى المستوى المهني، أصبح مجالًا تعمل فيه مجموعات مختلفة من الأشخاص داخل الشركات الخاصة، أو مؤسسات الدولة، أو بصورة مستقلة، سواء كانوا باحثين أو محققين أو متخصصين في مجالات ذات صلة.

 

– خلال أيام قليلة، وتحديدًا في 22 سبتمبر، سيُعقد المنتدى الدولي «حوار حول الأخبار المزيفة»، وهو ما يوفر فرصة لمناقشة هذه القضايا بصورة أوسع.

 

نعم، ستكون لدينا عروض تقديمية ومناقشات خلال المنتدى.

 

ونحن ممتنون جدًا لوزارة الخارجية الروسية لدعمها المنتدى على مدار السنوات الماضية. ومن المؤكد أننا ما كنا لنتمكن من تنظيم حدث بهذا الحجم لولا دعم وزارة الخارجية.

 

وفي هذا العام سيشارك وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف شخصيًا في المنتدى.

 

كما نعرب عن تقديرنا له لتجاوبه مع طلباتنا، وكذلك لماريا زاخاروفا على دعمها المستمر.

 

– يُعقد المنتدى للمرة الرابعة. ما الذي سيشهده هذا العام؟ وما أبرز الموضوعات المطروحة؟

 

لا أحب وصف أي منتدى بأنه «مميز»، لأن ذلك قد يقلل من قيمة المنتديات السابقة.

 

بالنسبة لي، الأمر ببساطة يتعلق بنمو المجتمع واتساعه وقوته.

 

وفي الوقت نفسه، نشهد ظهور مشاريع دولية جديدة بمستوى مختلف، كما أن المفاوضات مع عدد من الدول وصلت إلى مراحل أكثر تقدمًا.

 

وبالنسبة لي، يمثل المنتدى وسيلة لترسيخ الاتفاقات، سواء في الأطر الرسمية أو غير الرسمية، وإعادة الاهتمام الدولي إلى القضية التي يعمل عليها زملاؤنا في منظمة «حوار» وشركاؤنا منذ عدة سنوات.

 

– وما توقعاتك لحجم المنتدى هذا العام؟

 

في كل عام يكون المنتدى أكبر من العام الذي سبقه، وسيكون لدينا عدد أكبر من المشاركين مقارنة بالعام الماضي.

 

ومن حيث الحجم، نعم، سيكون المنتدى أكبر.

 

لكن الأمر لا يتعلق بعدد المشاركين فقط. نحن ننظر قبل كل شيء إلى مستوى التمثيل وكفاءة الخبراء المشاركين، ونعتقد أن هذا الجانب شهد أيضًا تطورًا مقارنة بالسنوات السابقة.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *