أبدأ مقالي هذا بسؤال للدكتور السيد البدوي، ابن مدرسة سراج الدين: لماذا يطالب الوفديون منذ سنوات بتعديل اللائحة؟
الإجابة ببساطة: لأن اللائحة التي وُضعت في زمن الزعيم فؤاد سراج الدين كانت تعكس طبيعة مرحلة ورجل كان يضع مصلحة الوفد فوق مصلحته الشخصية. كان سراج الدين رئيسًا لحزب عريق، لكنه لم يتعامل مع الوفد باعتباره ملكا للرئيس، وإنما باعتباره ملكا لفكر وتاريخ ومؤسسات
وعندما طالب الوفديون بلائحة جديدة تواكب العصر، لم يطالبوا بلائحة تُحصّن موقع شخص، أو تمنح رئيس الحزب صلاحيات تكاد تبتلع صلاحيات مؤسسات الحزب، وإنما طالبوا بلائحة تعيد الاعتبار للمؤتمر العام والهيئة العليا والمكتب التنفيذي، وتمنع الانفراد بالقرار ، فإذا بنا أمام نصوص تثير علامات استفهام كبرى حول فلسفة الحكم داخل الحزب: هل نحن أمام لائحة تنظم عمل مؤسسة سياسية، أم أمام لائحة يمكن أن تمنح رئيسها من السلطات ما يسمح بإعادة اختزال المؤسسة في شخصه؟
وهنا تحديدا تكمن خطورة المشهد ، فإذا كانت قراءة النصوص تؤدي إلى تركيز السلطات في يد الرئيس، فإن الأمر لا يعود مجرد تعديل للائحة، وإنما يصبح من وجهة نظر منتقديها محاولة لإعادة تشكيل الوفد من الداخل عبر اختطاف مؤسسي بغطاء لائحي؛ أي تحويل الانفراد بالقرار إلى أمر يبدو مشروعا بمجرد وضعه داخل نصوص لائحة ، وهذه ليست ديمقراطية ولا تليق بحزب ليبرالي عريق، لأن الشرعية الحقيقية لا تُستمد من صياغة النصوص وحدها، وإنما من احترام التوازن بين المؤسسات وعدم تحويل اللائحة إلى أداة لتكريس سلطة شخص واحد
المسألة ليست خلافا شخصيا مع السيد البدوي أو مع أي رئيس أو قيادي ،القضية أكبر من الأشخاص جميعا ، إنها قضية وفد تجاوز المائة عام، وتاريخ صنعه رجال ومؤسسات وتضحيات، ولا يستطيع فرد مهما كان اسمه أن يختصره في شخصه ومن هنا فإن أي لائحة تنتقص من استقلال مؤسسات الحزب أو تجعلها أدوارا هامشية أمام إرادة الرئيس، تستحق المراجعة العلنية والمناقشة الجادة أمام الوفديين
يا دكتور سيد الوفديون لا يرفضون التغيير، بل كانوا أول من طالبوا به ، لكنهم يريدون لائحة تحمي الوفد من الأشخاص، لا لائحة تحمي الأشخاص من الوفد، يريدون نصوصا تضمن تداول السلطة وتوزيع الاختصاصات وتمنع الانفراد بالقرار، وتُبقي القرار الحزبي ملكا للمؤسسات المنتخبة، لا رهينة لإرادة فرد
السؤال الذي يجب أن يظل مطروحا: هل اللائحة جاءت لتحمي الوفد، أم لتحمي موقع الرئيس داخل الوفد؟ فإذا كانت تمنح الرئيس سلطات استثنائية على حساب المؤسسات، فإن من حق الوفديين أن يرفضوها، وأن يطالبوا بإعادة صياغتها بما يضمن التوازن والفصل بين الاختصاصات
استقم على خطى سراج الدين، ولا تستخف بعقول أبناء سعد والنحاس ، فالوفد ذاكرة وطن ومدرسة سياسية وتاريخ تجاوز المائة عام ، وهناك رجال من أبناء الوفد يعرفون قيمته وسيحمونه من أي أفكار سلطوية أو محاولات للانفراد بالقرار وتفريغ مؤسساته من مضمونها مهما كلفهم ذلك ..
حفظ الله الوفد وحفظ رجاله

اترك تعليقاً