محمد ﷺ.. صرحٌ عظيمٌ أضاء الله به الدنيا

بقلم / اسامه عبدالخالق

«وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين»

صرحٌ عظيم البناء، بناه ربُّ السماء، وأرسل إلى البشرية خير خلق الله وخاتم أنبيائه ورسله، سيدنا محمد ﷺ، الذي أشرقت بمولده أنوار الهداية، وتبددت على يديه ظلمات الجهل والضلال، فكان ميلاده الشريف بدايةً لرسالةٍ غيّرت وجه التاريخ، وأخرجت الإنسان من ظلمات التيه إلى نور الإيمان والرحمة والعدل.

«ولد الهدى فالكائنات ضياءُ.. وفم الزمان تبسمٌ وثناءُ»، هكذا عبّر أمير الشعراء أحمد شوقي عن عظمة تلك اللحظة التي وُلد فيها المصطفى ﷺ، في عام الفيل، العام الذي حفظ الله فيه بيته الحرام، ليأتي بعد ذلك خاتم الأنبياء برسالةٍ تحفظ للإنسان كرامته، وللحياة قيمتها، وللمجتمع ميزان العدل والرحمة.

وُلد النبي محمد ﷺ يتيم الأب، ثم فقد أمه في طفولته، لكن الله سبحانه وتعالى تولاه بعنايته، وهيأه لحمل أعظم أمانة عرفتها البشرية. نشأ صادقًا أمينًا، حتى شهد له قومه قبل البعثة بالصدق والأمانة، ثم جاءه الوحي ليبدأ أعظم فصل في تاريخ الإنسانية.

لم تكن رسالة محمد ﷺ دعوةً إلى العنف أو الإكراه، وإنما كانت دعوة إلى التوحيد والرحمة وإعلاء قيمة الإنسان. قال الله تعالى: «لا إكراه في الدين»، وقال سبحانه: «وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين».

كان ﷺ هاديًا وبشيرًا ونذيرًا، رؤوفًا رحيمًا بالمؤمنين، يعفو حين يكون العفو قوة، ويصبر حين يكون الصبر طريقًا إلى الإصلاح، ويعامل الناس بالحكمة والموعظة الحسنة. لم تكن عظمته في قوته وحدها، وإنما في أخلاقه التي جعلت منه نموذجًا خالدًا للإنسان الكامل في الرحمة والتواضع والصدق والعدل.

ويكفيه شرفًا قول الله تعالى: «وإنك لعلى خلق عظيم».

لقد علّمنا رسول الله ﷺ أن الأمة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالأخلاق والعمل والرحمة والتكافل. علّمنا أن قوة الإنسان ليست في إيذاء غيره، وإنما في قدرته على ضبط نفسه، وأن خير الناس أنفعهم للناس، وأن الكلمة الطيبة صدقة، وأن الرحمة ليست ضعفًا، بل خلق من أعظم أخلاق الأقوياء.

وكان ﷺ قريبًا من الناس، يسمع شكواهم، ويجبر خاطر الضعيف، ويرعى اليتيم، ويحسن إلى الفقير، ويكرم الجار، ويصل الرحم، ويحث على العلم والعمل، ويضع الإنسان في مكانته التي كرمه الله بها.

وحين اشتدت المحن، لم يتخلَّ عن أمته، وحين فتح الله له، لم يتكبر على من خالفه. ظل قلبه متعلقًا برسالته، ولسانه عامرًا بالنصح، حتى لقي ربه وقد أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة.

إن الحديث عن النبي ﷺ ليس حديثًا عن شخصية عظيمة فحسب، وإنما هو حديث عن رسالة وحضارة وقيم وأخلاق ما زالت البشرية في أمس الحاجة إليها.

ففي عالمٍ يزداد فيه الصراع، نحتاج إلى رحمته.
وفي زمنٍ تنتشر فيه الكراهية، نحتاج إلى أخلاقه.
وفي زمنٍ تختلط فيه الحقيقة بالباطل، نحتاج إلى صدقه وأمانته.
وفي زمنٍ يعلو فيه صوت القوة، نحتاج إلى عدله.
وفي زمنٍ ينسى فيه الإنسان أخاه الإنسان، نحتاج إلى رحمته وتكافله.

يا رسول الله، يا خير من وطئت قدماه الثرى، يا من أرسلك الله رحمةً للعالمين، سلامٌ عليك يوم وُلدت، وسلامٌ عليك يوم أُرسلت، وسلامٌ عليك يوم لقيت ربك، وسلامٌ عليك يوم نُبعث أحياء.

بأبي أنت وأمي يا رسول الله ﷺ.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا ممن يهتدون بهديه، ويتمسكون بسنته، ويتخلقون بأخلاقه، ويجعلون رحمته وعدله ونوره منهاجًا في حياتهم.

اللهم اجمعنا به في الفردوس الأعلى، واسقنا من يده الشريفة شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدًا.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون، وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *