بقلم المستشارة الدكتورة/ آمنة الريسي
مستشارة في علم النفس السياسي، والجنائي، والمؤسسي | خبيرة في القيادة والحوكمة
عندما ينفصل الإنسان عن واقعه المؤلم، وتقف حواجز العجز والضعف حائلاً دون شجاعة مواجهة الحقائق التي خلّفت ندوباً وأذىً عميقاً في النفس، يتشعب طريق الهروب أمامه في مسارين كلاهما مرّ. إما أن يختار الاندفاع المحموم نحو النجاحات المادية والمناصب والترقيات، متخلّياً تدريجياً عن إنسانيته ليتحول إلى كائن آلي يشبه “الروبوت” الذي لا يعرف سوى التروس والإنتاج، وإما أن يسلك طريق الأوهام الخالصة، فيغرق في نسج هالة وهمية من المميزات والقدرات الاستثنائية التي لا وجود لها إلا داخل عقله المأزوم. وفي حقيقة الأمر، يمثل كلا الصنفين وجهين لمجمل آليات الهروب النفسي من مواجهة حقائق قاسية لا يمتلك صاحبوها القدرة ولا الشجاعة لتحمل وقعها.
إن غياب الوعي والبصيرة تجاه تصرفات النفس وعواقبها الوخيمة على الذات ومن حولنا يفتح الباب على مصراعيه أمام الرغبات المكبوته والنفس الضعيفة لتفرض سيطرتها المطلقة على الإنسان. هذا الغياب للوعي ليس عشوائياً، بل هو خيار دفاعي ومقصود يلجأ إليه هؤلاء هروباً من ثمن الوعي الباهظ؛ فالوعي الحقيقي، والرقابة الذاتية، وصحوة الضمير، تعني بالضرورة محاسبة النفس، ومراقبة الأفعال، والقدرة على الرجوع عن الخطأ وتحمل المسؤولية الكاملة عن الأقوال والأفعال. وبما أن هذه الأدوات الرقابية تقف حائلاً أمام الانفصال عن الواقع وتمنع الاستغراق الأعمى خلف الماديات أو الأوهام، يختار هذان الصنفان التخلي تماماً عن الضمير والوعي لضمان الاستمرار في الهروب الآمن داخل شرانقهم المصطنعة.
وما يثير التأمل حقاً هو غياب الحياة الاجتماعية الحقيقية في عوالم هذه الشخصيات، حيث تصبح جميع علاقاتهم مجرد قوالب رسمية جامدة قائمة على تبادل المنافع والمصالح البحتة، دون أدنى اعتبار لأحاسيس ومشاعر الطرف الآخر. تبدو لغة العاطفة والذكاء الوجداني معدومة تماماً في قاموسهم، والمفارقة هنا تكمن في أنهم قد يكونون من المطلعين أو القارئين جيدين لنظريات الذكاء العاطفي، وربما ممن يتحدثون عنه في مجالسهم، لكنها تظل معرفة نظرية جوفاء لا ترتقي أبداً لتصبح سلوكاً إنسانيا حياً وملموساً.
إن التمادي في هذه الأنماط السلوكية المنفصلة عن الروح والواقع بات يشكل عبئاً ثقيلاً على الكاهن البشري. ولعل العالم اليوم لم يعد يحتمل المزيد من هذه النماذج الآلية أو الواهمة، خصوصاً بعد أن أرهقت الضغوط والأزمات المتعاقبة خلال السنوات الخمس الماضية طاقة البشرية جمعاء؛ فما نحتاجه حقاً هو صحوة إنسانية تعيد الاعتبار للوعي العميق، والتعاطف الحي، والتوازن النفسي القائم على قبول الحقيقة بشجاعة مهما كانت موجعة.

اترك تعليقاً