حملات تتكرر.. والفوضى تعود.. فمن يملك مفتاح الحل؟
تحقيق / أسامة عبدالخالق
لم تعد شكاوى سكان مدينة حلوان من حالة الفوضى في الشوارع والميادين مجرد ملاحظات عابرة، بل أصبحت قضية يومية تمس حق المواطن في شارع آمن ومنظم، وتطرح سؤالًا واضحًا لا يحتمل التأجيل:
من المسؤول عن إعادة الانضباط إلى حلوان؟ ومن يحاسب عندما تتحول بعض الشوارع والميادين إلى ساحات مفتوحة للإشغالات والتكدس؟
المشهد الذي يراه المواطن في مناطق من حلوان، وعلى رأسها محيط ميدان محطة حلوان، يعكس أزمة تتجاوز مجرد وجود بائع متجول أو مركبة مخالفة؛ فالقضية تتعلق بمنظومة كاملة تحتاج إلى رقابة مستمرة، وتنسيق حقيقي بين الحي والمحافظة والأجهزة المعنية والجهات التشريعية والرقابية.
ميدان حلوان.. قلب المدينة تحت الحصار
ميدان محطة حلوان، بما يمثله من نقطة حيوية لحركة المواطنين والمركبات، يفترض أن يكون نموذجًا للانضباط باعتباره أحد أهم مداخل ومراكز الحركة في المدينة.
لكن شكاوى المواطنين تدور حول انتشار الإشغالات، وتكدس الباعة، ووجود مركبات التوك توك بصورة تؤثر في حركة المرور والمارة، فضلًا عن التداخل بين حركة المشاة والسيارات والمركبات غير المنضبطة.
وهنا لا يصبح السؤال: هل توجد حملة لإزالة الإشغالات؟
فالإجابة الرسمية تقول نعم.
السؤال الأهم هو:
ماذا يحدث بعد انتهاء الحملة؟
فإذا كانت الإشغالات تعود مرة أخرى، فهذا يعني أن المشكلة ليست في تنفيذ حملة ليوم أو يومين، وإنما في قدرة المنظومة على الحفاظ على نتائجها بصورة مستدامة.
المفارقة التي تحتاج إلى إجابة
المفارقة أن بوابة محافظة القاهرة الرسمية أعلنت في 21 يونيو 2026 تنفيذ حملة مكبرة استهدفت ميدان محطة حلوان وشارع منصور والشوارع المحيطة به لرفع الإشغالات والتعديات والباعة الجائلين، مع التأكيد على استمرار الحملات ليلًا ونهارًا.
كما أعلنت المحافظة في 26 يوليو عن حملة أخرى لرفع الإشغالات في عدد من شوارع الحي، وأكدت استمرار الحملات الصباحية والمسائية.
وفي 5 أغسطس، أعلنت عن حملة مسائية جديدة لرفع الإشغالات بنطاق حي حلوان، مؤكدة التعامل الفوري مع الشكاوى واستمرار الحملات اليومية.
ثم في 13 أغسطس أعلنت المحافظة مجددًا عن حملة مكبرة لإزالة التعديات ورفع الإشغالات بالطريق العام في شوارع المراغي ومحمد سيد أحمد وأحمد أنسي، مع التأكيد على استمرار الحملات اليومية.
إذن نحن أمام حملات رسمية متكررة.
وهنا يأتي السؤال الذي يفرض نفسه على المسؤولين:
إذا كانت الحملات مستمرة، فلماذا لا يشعر المواطن بانتهاء المشكلة؟
المسؤولية ليست اتهامًا.. لكنها محاسبة
عندما نتحدث عن المسؤولية، فنحن لا نتحدث عن اتهام شخص بعينه، وإنما عن مسؤولية وظيفية وإدارية تستوجب المتابعة والمحاسبة.
المسؤولية تبدأ من أعلى مستوى تنفيذي في المحافظة، مرورًا بالمنطقة الجنوبية، وصولًا إلى حي حلوان والأجهزة التنفيذية والجهات المختصة بالمرور والمرافق والإشغالات.
وتقع على عاتق الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، مسؤولية وضع الإطار العام للانضباط ومتابعة أداء الأحياء، بينما تقع على عاتق الأستاذ أشرف منصور، نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، مسؤولية المتابعة والإشراف على أداء الأحياء التابعة للمنطقة.
أما على مستوى الحي، فإن اللواء حازم مجدي راتب، رئيس حي حلوان، هو المسؤول التنفيذي المباشر عن إدارة الحي ومتابعة ملفات الإشغالات والانضباط داخل نطاقه.
وهذه ليست استنتاجات صحفية، بل تؤكدها البيانات الرسمية للمحافظة التي تربط حملات حي حلوان بتوجيهات المحافظ ومتابعة نائب المحافظ، وتنسب تنفيذ الحملات إلى رئيس الحي والأجهزة التنفيذية المعنية.
ولكن أين الدور التشريعي والرقابي؟
في المقابل، لا يمكن أن تظل القضية تنفيذية فقط.
فأعضاء مجلس النواب عن حلوان والمنطقة المحيطة بها أمام مسؤولية رقابية وسياسية أيضًا، من خلال نقل شكاوى المواطنين، وتقديم طلبات الإحاطة والأسئلة، ومتابعة تنفيذ ما يتم الإعلان عنه من خطط وحملات.
وقد شهد ملف حلوان بالفعل تحركات برلمانية؛ ففي مايو 2026، ارتبط تحرك تنفيذي للمحافظة بطلب إحاطة للنائب عيد حماد بشأن تطوير عدد من شوارع حلوان وإخلاء محطة المترو من الباعة الجائلين، وتبع ذلك جولة ميدانية للمحافظ والمسؤولين التنفيذيين.
وهنا يجب أن تتحول الرقابة من مجرد تحرك وقت الأزمة إلى متابعة مستمرة للنتائج.
فالمواطن لا يريد أن يسمع أن هناك حملة.
المواطن يريد أن يرى شارعًا منضبطًا بعد الحملة.
التوك توك.. أزمة تحتاج إلى حل لا إلى مطاردة مؤقتة
لا يمكن تجاهل ملف التوك توك باعتباره أحد عناصر الأزمة في مناطق الازدحام.
المشكلة ليست في المركبة وحدها، وإنما في غياب التنظيم عندما تتحول بعض النقاط الحيوية إلى مواقف عشوائية، أو عندما تتداخل حركة التوك توك مع السيارات والمشاة.
وهذه المشكلة ليست جديدة على حلوان؛ فالأرشيف الرسمي للمحافظة يوضح أن ميدان محطة حلوان وشوارع أخرى شهدت حملات سابقة لضبط التكاتك المخالفة ورفع إشغالات الباعة الجائلين.
وهنا السؤال:
لماذا تتكرر المشكلة عبر السنوات؟
هل المطلوب حملات موسمية؟
أم أن المطلوب وضع منظومة دائمة تحدد أماكن الانتظار، ومسارات الحركة، وتمنع الوقوف العشوائي، وتطبق القانون بصورة مستمرة؟
البائع الجائل.. بين حقه في الرزق وحق المواطن في الطريق
من المهم أيضًا ألا يتحول التحقيق إلى خصومة مع البائعين.
فالبائع الجائل مواطن يبحث عن مصدر رزقه، لكن حقه في العمل لا يعني الاعتداء على حق الآخرين في المرور والحركة.
الحل الحقيقي لا يكون بمجرد المصادرة والطرد ثم عودة البائعين بعد ساعات، وإنما بإيجاد تنظيم واضح للأسواق ومناطق البيع، بحيث يحصل المواطن على شارع مفتوح، ويحصل البائع على مكان قانوني لممارسة نشاطه.
وهنا تظهر أهمية التخطيط لا الحملات فقط.
هل المشكلة في غياب الحملات أم غياب الاستدامة؟
هذا هو السؤال المركزي في أزمة حلوان.
فالبيانات الرسمية تؤكد وجود حملات متكررة، بل تؤكد في أكثر من مناسبة استمرار الحملات اليومية.
لكن المواطن يقيس النجاح بمعيار مختلف تمامًا:
هل تغير الواقع؟
إذا كانت الإجابة نعم، فليظهر ذلك في الشوارع.
وإذا كانت الإجابة لا، فلابد من مراجعة آلية التنفيذ والمتابعة.
لأن إزالة الإشغال صباحًا وعودته مساءً لا تعني انتهاء المشكلة، وإنما تعني أن هناك خللًا في منظومة المتابعة يحتاج إلى معالجة.
من يحاسب؟
السؤال الذي يطرحه المواطن الحلواني اليوم ليس بحثًا عن شماعة لتعليق الأخطاء عليها، وإنما بحث عن إجابة واضحة:
من المسؤول عن استمرار المخالفة بعد إزالتها؟
ومن المسؤول عن السماح بعودة الإشغالات؟
ومن يتابع نقاط تجمع التكاتك؟
ومن يراقب الشوارع بعد انتهاء الحملات؟
ومن يضع خطة دائمة لا تتوقف بانتهاء معدات الحملة؟
ومن يحاسب الموظف أو الجهة التي لا تنفذ القانون؟
ومن يحاسب من يترك الطريق العام يتحول إلى مساحة خاصة؟
هذه الأسئلة يجب ألا تخيف أحدًا، لأن المحاسبة ليست عقوبة.. بل ضمانة لحسن الإدارة.
حلوان تستحق أكثر
حلوان مدينة كبيرة وعريقة، ولها ثقل سكاني وتاريخي وصناعي، ولا يجوز أن تختزل صورتها في مشاهد الزحام والإشغالات والفوضى.
والمطلوب ليس المستحيل.
المطلوب خطة واضحة:
ميدان حلوان أولًا.. ثم الشوارع المحيطة.. ثم تنظيم التوك توك.. ثم تحديد أماكن الباعة.. ثم متابعة مستمرة على مدار اليوم.
والأهم من ذلك كله أن تكون هناك آلية معلنة لقياس النتائج.
فالمواطن يريد أن يعرف:
ماذا تم؟
وماذا لم يتم؟
ولماذا؟
ومتى تنتهي المشكلة؟
رسالة إلى المسؤولين
إلى الدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة..
إلى الأستاذ أشرف منصور نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية..
إلى اللواء حازم مجدي راتب رئيس حي حلوان..
وإلى السادة أعضاء مجلس النواب عن المنطقة:
حلوان لا تحتاج إلى حملة جديدة بقدر ما تحتاج إلى منظومة تمنع عودة الفوضى بعد انتهاء الحملة.
المواطن يريد شارعًا يستطيع السير فيه بأمان، وميدانًا يستطيع المرور من خلاله دون معاناة، وتنظيمًا يحفظ حق البائع ويحمي حق المواطن.
والقانون يجب أن يكون واحدًا على الجميع.
فلا المواطن العادي فوق القانون، ولا صاحب المحل، ولا البائع، ولا سائق التوك توك.
والقاعدة ببساطة:
من يخالف القانون يُحاسب، ومن يملك سلطة تطبيق القانون يجب أن يُسأل عن نتائج تطبيقه.
وفي النهاية، فإن عبارة «من أمن العقاب أساء الأدب» لا ينبغي أن تكون شعارًا للهجوم على أحد، وإنما تذكيرًا بأن هيبة الدولة تبدأ من تطبيق القانون بعدالة واستمرار، وأن احترام المواطن يبدأ من احترام حقه في مدينة منظمة وآمنة.
حلوان لا تطلب المستحيل.. حلوان تطلب فقط أن تعود شوارعها إلى أهلها.

اترك تعليقاً