بقلم: سحر مهني
“الملكُ يبدأ بالعصبية والتضامن، وينتهي بالترف والاضمحلال”.. بهذه القاعدة الذهبية، كتب ابن خلدون دستوراً اجتماعياً وسياسياً ما زال يُدرّس في أكبر الجامعات العالمية بعد أكثر من 600 عام.
في القرن الرابع عشر الميلادي، بينما كان العالم الإسلامي والشرق الأوسط يمرّان بموجات متلاطمة من الفتن السياسية، والتفتت الاجتماعي، وانتشار الوباء الأكبر (الطاعون الجارف)، كان هناك رجل يجلس في إحدى قلع الجزائر النائية (“قلعة بني سلامة”)، يُعيد قراءة التاريخ ليس باعتباره مجرد حكايات وسير للملوك، بل باعتباره “علماً يُفهم وله قوانين تُكتشف”.
إنه عبد الرحمن بن خلدون، رجل الدولة، القاضي، والفيلسوف الذي نجح بمفرده في تأسيس علم الاجتماع (عمران البشر) والفلسفة التاريخية قبل أن يعرفهما الغرب بقرون.
من أروقة الحكم إلى عزلة القلعة
لم يكن ابن خلدون مسلماً تنظيرياً يجلس في أبراج عاجية؛ بل كان رجلاً خاض معترك السياسة بجميع تقلباتها. شغل مناصب رفيعة كوزير وحاجب وقاضٍ في بلاد المغرب والأندلس ومصر، وتعرض للسجن والترديد والنفي نتيجة المؤامرات الدسيسية التي شهدتها بلاطات الحكم في ذلك العصر.
هذه التجربة الميدانية الثرية والدماء السياسية الحارة هي التي وهبته الفراسة والنظرة الثاقبة. عندما اعتزل السياسة لقرابة أربع سنوات في القلعة، لم يكتب مذكرات شخصية، بل خرج للعالم بجهبذته الخالدة “مقدمة ابن خلدون”، والتي كانت تمهيداً لكتابه الأكبر “كتاب العبر”.
نظرية “العصبية” ودورة حياة الدول
استطاع ابن خلدون وضع قانون محكم يشرح فيه كيف تقوم الدول وتنهار، مفسراً الأمر بما أسماه “العصبية” (التلاحم والترابط القائم على النخوة أو القربة):
أوضح ابن خلدون أن الدول -مثل الكائنات الحية- لها أعمار طبيعية تمتد غالباً لثلاثة أجيال (نحو 120 عاماً)، حيث يبدأ الجيل الأول بالخشونة والترابط، ويمر الجيل الثاني بمرحلة الدعة والاستقرار، لينتهي الجيل الثالث بالترف والضعف، مما يجعل الدولة صيداً سهلاً لعصبية جديدة أقوى!
أول من صحّح التاريخ بالمنطق
قبل ابن خلدون، كان المؤرخون ينقلون الروايات كما هي دون تمحيص، فتجد أرقاماً مبالغاً فيها للجيوش أو أحداثاً تتنافى مع العقل. جاء ابن خلدون ووضع قاعدة صحفية نقدية بامتياز، تسمى “مطابقة الخبر للواقع”.
كان يرى أن الرواية التاريخية إذا كانت تتنافى مع طبائع البشر أو الإمكانات الاقتصادية والجغرافية للعصر، فهي رواية مكذوبة وإن رواها الثقات. بذلك، أرسي أول منهج نقد علمي للروايات والتحقيق التاريخي.

اترك تعليقاً