صانع الألفية الذي سبق عصره بـ 1000 عام.. كيف قاس “البيروني” نصف قطر الأرض بعصا وزاوية؟

 

بقلم: سحر مهني

 

“لو عاش في زماننا هذا، لكان رئيساً لوكالة ناسا دون منازع”.. هكذا يصف علماء الفلك الحديث هذا العقل الفذ الذي استطاع قبل ألف عام، ودون حواسيب أو أقمار صناعية، أن يحسب محيط الكوكب بنسبة خطأ لا تتجاوز 1%.

في زمنٍ كانت تعتقد فيه غالبية المجتمعات الأرضية أن العالم ينتهي عند أطراف مدنهم، كان هناك رجل يجلس على قمة جبل بمدينة “نندنة” (في باكستان الحالية)، ممسكاً بأسطرلاب بسيط وبعض أدوات الحساب. لم يكن يرسم الخرائط فحسب، بل كان يُعيد تعريف المكان والزمان للأجيال القادمة. إنه أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، عبقري العصر الذهبي للإسلام، والرجل الذي أطلق عليه الغرب لقب “مؤسس علم الهندسة الحديث”.

مغامرة الجبل: كيف أذهل العالم؟

لم يكن البيروني مجرد عالم يتلقى العلوم النظرية، بل كان صحفياً ومحققاً ميدانياً بطبعه. عندما أراد حساب حجم الأرض، لم يكتفِ بالمعادلات الصماء، بل تسلق الجبال بنفسه.

استخدم البيروني طريقة مبتكرة تُعرف اليوم بـ “ارتفاع زاوية الأفق”؛ حيث قام بطلب قياس ارتفاع جبل شاهق، ثم وقف عند قمته ليقيس زاوية انحناء الأفق. وبتطبيق معادلات مثلثية معقدة، استطاع حساب نصف قطر الأرض بـ 6,339.6 كيلومتراً، وهو رقم شاذ في دقته؛ إذ لا يختلف عن القياسات الحديثة المعتمدة بالأقمار الصناعية إلا بأقل من 1\%!

أول “أنثروبولوجي” في التاريخ

لم تتوقف عبقرية البيروني عند أرقام الفلك والرياضيات، بل امتدت لتشمل “الإنسان”. يُجمع المؤرخون اليوم على أن البيروني هو “أبو علم الإنسان (الأنثروبولوجيا)”؛ وذلك بعد رحلته الشهيرة إلى الهند والتي استمرت سنوات طويلة.

في وقائع لم تكن مألوفة في عصره، تعلم البيروني اللغة السنسكريتية، وعاش بين علماء الهند، ودرس عقائدهم وعاداتهم بنظرة حصرية حيادية دون أي تحيز. وأثمرت هذه الرحلة عن كتابه المرجعي الخالد “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة”، والذي يُعد حتى يومنا هذا موسوعة اجتماعية وتاريخية لا غنى عنها لفهم تاريخ شبه القارة الهندية.

مبدأ الحياة: العِلم للعِلم

تُروى عن البيروني قصص تعكس شغفه اللامحدود بالمعرفة حتى آخر لحظات حياته. يُحكى أنه وهو على فراش الموت في سن الثمانين، زاره أحد أصدقائه الفقهاء، فبدلاً من أن يستسلم للمرض، سأل البيروني الصديق عن مسألة معقدة في ميراث الجدات! فقال له الصديق بدهشة: “أفي هذه الحالة؟”، فرد البيروني بمقولته الشهيرة: “لأن أودّع الدنيا وأنا أعلم هذه المسألة، خيرٌ لي من أن أودّعها وأنا جاهلٌ بها”.

رحلة في أرقام:

143 مؤلفاً: تَنوعت بين الفلك، الهندسة، الرياضيات، الصيدلة، والتاريخ.

4 لغات: أتقن الخوارزمية، الفارسية، العربية، والسنسكريتية.

فوهة بركانية: تخليداً لإنجازاته، أطلق الاتحاد الفلكي الدولي اسمه “Al-Biruni” على إحدى الفوهات البركانية على سطح القمر.

يمثل البيروني النموذج الحقيقي للباحث الشغوف الذي لم تعقه الحدود الجغرافية ولا إمكانيات أدواته البسيطة عن اكتشاف العالم. واليوم، يبدو أن رسالته للعالم لا تزال حية: “إن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس، لمن قرر أن يستخدمه”.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *