أويس القرني: خير التابعين وثمرة البر الخافية

 

بقلم سحر مهني

 

تزخر التاريخ الإسلامي بشخصيات استثنائية لم تبنَ شهرتها على كثرة المال أو منصب السلطة، بل على خفايا القلوب وصدق المعاملة مع الله. وفي شبه الجزيرة العربية، وتحديداً من أرض اليمن الطيبة، برزت شخصية “أويس بن عامر القرني”، الذي وصفه النبي ﷺ بأنه “خير التابعين”، رغم أنه لم يرَ الرسول ﷺ قط، ليغدو قدوة تاريخية في الزهد وبر الوالدين.

نشأته وإسلامه في اليمن

ولد أويس في قبيلة “مراد” باليمن، وأسلم في حياة النبي ﷺ لكنه لم يتمكن من الهجرة إلى المدينة المنورة لرؤيته. لم يكن مانعه كسلاً ولا زاهداً في صحبته، بل كان له عذر نبيل؛ إذ كانت له أم كبيرة في السن، ضعيفة الحال، يحتاجها إلى جوارها، فآثر خدمة أمه وبرها على شرف الصحبة.

قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة، وكان به بياض فمروا فليستغفر لكم».

مكانته عند الصحابة واجتماعه بعمر بن الخطاب

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يبحث عن أويس في كل أمداد اليمن (وفود الحجيج والمقاتلين) بعد وفاة النبي ﷺ، حتى وجده ذات يوم في موسم الحج.

اللقاء التاريخي: سأله عمر عن اسمه وأحواله وعن أمه وعن أثره في جسده (البياض الذي شفاه الله منه إلا قدر درهم)، فلما تحقق عمر من أوصافه، طلب من أويس أن يستغفر له كما أوصى النبي ﷺ.

التواضع المثير: رغم هذه المكانة التي منحها إياه عمر بن الخطاب (أمير المؤمنين)، رفض أويس الشهرة، ولما عرض عليه عمر أن يكتب له إلى والي الكوفة ليكرمه، قال أويس جملته الشهيرة: «أكون في غبراء الناس أحب إلي».

صفاته وأثر شخصيته

جسد أويس القرني النموذج الأسمى لحياة التابعي الذي جمع بين علم الشريعة وحقيقة الزهد:

البر المطلق: استحق الثناء الإلهي والنبوي بسبب إيثاره خدمة أمه على كل شيء.

الخفاء والزهد: كان يفر من أضواء الشهرة والثناء، متوارياً بين الناس، يكسب قوته بيده.

الحكمة والرقائق: كانت كلماته قاطعة في فهم جوهر الحياة، حيث كان يذّكر الناس دائماً بضرورة إخلاص العمل لله والابتعاد عن الرياء.

الخاتمة

رحل أويس القرني من اليمن إلى الكوفة، وشارك في معارك المسلمين حتى استشهد في معركة صفين. تظل سيرة أويس القرني في شبه الجزيرة العربية شهادة حية على أن العظمة الحقيقية لا تُقاس بما يعرفه الناس عنك، بل بما يعلمه الله منك، وأن طاعة الوالدين وصدق السريرة قد يرفعان العبد إلى أعلى المراتب دون أن يراه أحد.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *