المحكم ياسر عبدالله يكتب..  بيزنس الـ 100 جنيه والوجبة: كيف تُستغل براءة ذوي الهمم في شو إعلامي للتربح؟

 

 

تُقاس حضارة الأمم بمدى إنسانيتها في حماية فئاتها الأكثر احتياجاً وفي مقدمتهم أبناؤنا من ذوي الهمم وفي الوقت الذي تسعى فيه الدولة لإقرار التمكين وحفظ الكرامة عبر توجيهات رئاسية متواصلة يتسلل وجه مظلم تقوده كيانات وأشخاص تتخذ من العمل الخيري ستاراً إننا أمام بيزنس منظم يتاجر بالبراءة حيث تُستغل حاجة الأسر وفقرها لتحويل الأطفال إلى أدوات في شو إعلامي يهدف لجمع تبرعات بالآلاف بينما لا ينال أصحاب الشأن سوى الفتات والإهانة.

 

صناعة الشو والمتاجرة بالبراءة

السؤال الأول: كيف تحولت براءة الأطفال إلى وقود لمكاسب تسويقية وتبرعات مليونية؟

تتكرر المأساة في المهرجانات والمؤتمرات حيث تُستدرج الأسر العفيفة بمبالغ زهيدة لا تتعدى (50 إلى 100 جنيه ووجبة طعام) وهناك يُقحم الأطفال في مشاهد رقص وتنطيط فوق المسارح لساعات طوال دون أدنى مراعاة لطبيعة إعاقتهم أو حالتهم النفسية والجسدية حيث تُصور هذه المشاهد وتُنشر عبر منصات التواصل الإجتماعي كقوة ضغط عاطفية تحرك مشاعر الجمهور لتُجمع تبرعات بآلاف الجنيهات بإسم هؤلاء الأطفال ليذهب ريعها لحسابات القائمين على هذه الفاعليات أو الجمعيات الخبيثة بينما يخرج الطفل وأسرته بوجبة طعام ومكافأة مهينة.

السؤال الثاني: هل الأهالي ضحايا مسلوبو الإرادة حقاً أم أن الضغط الإقتصادي شرعَن القبول الضمني بالإهانة؟

عند تحليل الظاهرة بنظرة نقدية تتجاوز العاطفة نجد أن إختزال الأمهات والأسر في دور الضحية الجاهلة يمنعنا من مواجهة الحقيقة الصادمة فالفقر الخانق واليأس من وجود رعاية صحية وتأهيلية حكومية مجانية يدفع بعض الأسر إلى القبول بهذه المهزلة مقابل سد الرمق إن تصوير الأهالي كضحايا سُذج فقط يُعفيهم من مسؤوليتهم الأخلاقية تجاه كرامة أطفالهم ويُغيب الحقيقة الكبرى فغياب الدخل الأساسي والبديل الكافي هو ما يضطرهم لبيع كرامة أبنائهم

السؤال الثالث: هل نكتفي بالمطالبة بالتضييق الرقابي بينما المشكلة الحقيقية تكمن في غياب البديل التنموي المجاني؟حيث تتجه الأصابع عادة إلى المطالبة بـ “تشديد الرقابة” من وزارة التضامن الإجتماعي والمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة ورغم أهمية الرقابة إلا أنها تظل مسكنات وقتية لأن السبب الجذري لنشاط هؤلاء الأشخاص والجمعيات الخبيثة هو وجود فجوة تأهيلية هائلة في المجتمع علاوة على ذلك يجب الحذر من السقوط في فخ التعميم المدمر فشيطنة جميع الفعاليات الأهلية قد تؤدي إلى ضرب العمل الأهلي الشريف الذي يُعد شريان حياة لآلاف الأسر وتتسبب في عزل ذوي الهمم إجتماعياً خوفاً من النقد فالفارق بين الدمج والبهجة الحقيقية وبين الإستغلال والتربح هو شعرة دقيقة تحتاج إلى تنظيم قانوني واِعٍ لا إلى هجوم عشوائي فالحل الحقيقي هو مواجهة هذه الظاهرة الخبيثة حيث تتطلب الإنتقال من سياسة الترقيع إلى الحلول الجذرية من توفير البديل التنموي و إنشاء مراكز رعاية وتأهيل يومية حكومية مجانية ومحترمة تُغني الأم عن الذهاب بطفلها لجمعيات وأشخاص الإبتزاز وحماية أسر ذوي الهمم وتقديم دعم مالي ورعاية إجتماعية تكفل للأسرة حياة كريمة وتمنع إستغلال حاجتها المادية ويجب وضع معايير صارمة ووضع ضوابط محددة للفعاليات تضمن عدم المتاجرة بكرامة الطفل أو إقحامه في مظاهر إستعراضية مبتذلة فإن كرامة طفل واحد من ذوي الهمم لا تُقدر بمال وحمايتهم ليست مجرد واجب قانوني أو عاطفة عابرة بل هي إختبار حقيقي لإنسانيتنا وبناء بديل تنموي مستدام يحفظ للجميع كرامتهم.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *