كتب فتحى السايح
أ.د. دينغ لونغ، (يوسف)أستاذ في معهد دراسات الشرق الأوسط، جامعة شانغهاي للدراسات الدولية، جمهورية الصين الشعبية
dinglong@shisu.edu.cn
في السابع عشر من يوليو عام 2026، وقفت مدينة شنغهاي كعاصمة للتكنولوجيا العالمية، حيث انطلقت فعاليات مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي 2026 ومؤتمر القمة رفيع المستوى للحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي. لم يكن هذا الحدث مجرد منتدى تقني اعتيادي، بل كان نقطة تحول فاصلة في تاريخ البشرية حيث يتشكل شكل التحالفات الجديدة، وتتبلور رؤى متناقضة حول كيفية إدارة أعظم قوة تكنولوجية في القرن الحادي والعشرين. في قاعة “عالم شنغهاي”، ألقى الرئيس الصيني شي جين بينغ خطاباً هاماً أكد فيه أن “الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون منتجاً عاماً دولياً يفيد البشرية جمعاء”. وفي اليوم السابق، وقعت 29 دولة من بينها الصين وكازاخستان ولوس وروسيا وإندونيسيا اتفاقية تأسيس منظمة التعاون الدولي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي، والتي أصبحت أول منظمة حكومية دولية مخصصة لهذا المجال، ومقرها شنغهاي. هذه الأحداث المتتالية ليست مجرد إعلانات دبلوماسية، بل هي ترجمة ملموسة لنموذج صيني يتبنى مفهوم التعددية والانفتاح في مواجهة نموذج أمريكي يميل بشكل متزايد نحو الاحتكار التكنولوجي والانغلاق. يتجلى هذا التباين بوضوح عند مقارنة استراتيجيات البلدين وأساليب تطبيقهما ومواقفهما تجاه المصدر المفتوح، ويعكس اختلافاً جوهرياً في فلسفة الحوكمة العالمية والرؤية لمستقبل البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي.
فلسفة الاستراتيجية: التنمية الشاملة مقابل الهيمنة التكنولوجية
تتبنى الصين استراتيجية متماسكة تدمج التخطيط الحكومي مع الابتكار التكنولوجي، حيث تم دمج الذكاء الاصطناعي في الخطة الخمسية الخامسة عشرة كمحرك أساسي للتحول الهيكلي للاقتصاد الصيني. وضعت الصين في “الخطة الخمسية الخامسة عشرة” الذكاء الاصطناعي كمحرك أساسي للتحول الهيكلي للاقتصاد الصيني. تؤكد الاستراتيجية الصينية على تنفيذ إجراء “الذكاء الاصطناعي+”، والذي يهدف إلى دمج الذكاء الاصطناعي في كل جانب من جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، من التصنيع إلى الزراعة والخدمات الطبية والتعليم. تماماً كما كانت الكهرباء والمياه من قبل، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كعنصر أساسي في البنية التحتية للتنمية، وهو مفهوم يعكس رؤية صينية شاملة تركز على التحول الهيكلي والتطور المتزامن لجميع القطاعات.
في المقابل، تتبنى الولايات المتحدة نهجاً يسيطر عليه القطاع الخاص مع تنظيم فضفاض، حيث تعطى الشركات الكبرى مثل OpenAI وGoogle وAnthropic دوراً مهيمناً في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي. أصدر البيت الأبيض في يوليو 2025 “خطة عمل الذكاء الاصطناعي”، والتي ركزت على الحفاظ على القيادة الأمريكية في التكنولوجيا الفائقة من خلال الاستثمارات الضخمة والقيود التصديرية على أشباه الموصلات. هذا النهج يميل إلى رؤية الذكاء الاصطناعي كأداة للتنافس الاستراتيجي والهيمنة التكنولوجية، بدلاً من كونه منتجاً عاماً يفيد البشرية جمعاء. تركز الولايات المتحدة على الاختراقات التكنولوجية المتقدمة وحماية الملكية الفكرية، مع ميل متزايد نحو تقييد الوصول إلى التكنولوجيا كأداة للضغط الجيوسياسي.
الاختلاف الجوهري يكمن في الرؤية الفلسفية: الصين تؤمن بأن الذكاء الاصطناعي يجب أن يفيد الجميع من خلال الانفتاح والتعاون، بينما ترى الولايات المتحدة أنه يجب الحفاظ على التفوق التكنولوجي كميزة استراتيجية لا ينبغي مشاركتها بحرية مع المنافسين المحتملين. هذا التباين ينعكس في كل جانب من جوانب التطوير والنشر، من البحث والتطوير إلى التطبيقات الصناعية والتعاون الدولي.
التطبيق والانتشار: القوة التطبيقية مقابل الحلول المغلقة
في مجال التطبيق، تظهر الصين قوة هائلة في القدرة على التحويل السريع من النماذج الأولية إلى التطبيقات الصناعية واسعة النطاق. وفقاً للتقارير، تجاوز حجم الصناعة الأساسية للاقتصاد الذكي في الصين تريليون يوان، مما يجعلها واحدة من أكبر أسواق الذكاء الاصطناعي في العالم. تركز الصين على التطبيقات العملية التي تحسن الكفاءة في التصنيع والخدمات اللوجستية والزراعة والرعاية الصحية، مع التركيز على تعزيز الإنتاجية في القطاعات الحقيقية للاقتصاد. على سبيل المثال، تم نشر نموذج الإنذار الذكي للأرصاد الجوية “مازو” في 30 دولة، مما يوضح كيف يمكن للتطبيقات الصينية أن توفر حلولاً ملموسة للتحديات العالمية.
الولايات المتحدة، من ناحية أخرى، تركز بشكل أساسي على تطوير نماذج أساسية عالية الأداء وتطبيقات تجارية عالية القيمة مثل ChatGPT وGemini وClaude. هذه النماذج توفر واجهات مستخدم متقدمة وتجارب تفاعلية غنية، ولكنها غالباً ما تكون موجهة نحو قطاع الخدمات والترفيه الرقمي. يركز النموذج الأمريكي على “اقتصاد الرمز المميز” (Tokenomics)، حيث يتم تحقيق القيمة من خلال استخدام واجهات الدردشة والمساعدين الرقميين. هذا النهج يخلق قيمة هائلة في مجالات معينة، ولكنه قد يغيب عن التطبيقات الصناعية واسعة النطاق والتحولات الهيكلية في الاقتصادات النامية.
التطبيق الصيني يركز على التكامل العميق مع البنية التحتية الاقتصادية الحقيقية، مما يسمح بنشر سريع في بيئات صناعية معقدة. على سبيل المثال، استخدمت الشركات الصينية نماذج مفتوحة المصدر مثل DeepSeek وQwen لتحسين العمليات في المصانع والخدمات اللوجستية والزراعة الذكية. هذا النهج التطبيقي العملي يجعل الذكاء الاصطناعي أكثر وصولاً وملاءمة للدول النامية التي تحتاج إلى حلول ملموسة لتحديات التنمية، بدلاً من مجرد أدوات ترفيه رقمي أو مساعدين افتراضيين.
المصدر المفتوح: الانفتاح مقابل الاحتكار
هذا هو المجال الذي يظهر فيه الاختلاف الأكثر وضوحاً. الصين تتبنى استراتيجية المصدر المفتوح كجزء أساسي من نهجها في الذكاء الاصطناعي. أصدرت الشركات الصينية مثل DeepSeek وAlibaba وMoonshot وZhipu سلسلة من النماذج مفتوحة المصدر التي حققت نجاحاً عالمياً. على سبيل المثال، احتلت النماذج الصينية 9 من أصل 10 مراكز في قائمة Hugging Face لأفضل النماذج مفتوحة المصدر في يوليو 2025. تتخذ الصين نهجاً شاملاً للمصدر المفتوح، حيث لا تقتصر على مشاركة أوزان النماذج، بل توفر أيضاً أطر التدريب والرمز البرمجي ووثائق التطوير والأدوات المساعدة، مما يسمح للمطورين في جميع أنحاء العالم بالتكيف مع هذه النماذج وتحسينها وفقاً لاحتياجاتهم المحلية.
الولايات المتحدة، من ناحية أخرى، تتبنى نهجاً يميل إلى المصدر المغلق. الشركات الأمريكية الكبرى مثل OpenAI وGoogle وAnthropic تحافظ على نماذجها الأساسية كأصول مملوكة تجارياً، وتوفر الوصول إليها من خلال واجهات برمجة التطبيقات المدفوعة (APIs). على الرغم من أن OpenAI أصدرت مؤخراً نماذج مفتوحة الوزن تحت ترخيص Apache 2.0، إلا أن هذا يمثل تحولاً تكتيكياً محدوداً وليس تغييراً جوهرياً في النهج. تركز الشركات الأمريكية على بناء نظم بيئية مغلقة تحمي الملكية الفكرية وتحقق عوائد تجارية، مما يخلق حواجز أمام الوصول للدول النامية والشركات الناشئة.
الفرق الجوهري يكمن في الفلسفة: الصين ترى المصدر المفتوح كوسيلة لتحقيق التطور التكنولوجي الشامل والنمو الاقتصادي العالمي، بينما ترى الولايات المتحدة المصدر المفتوح كتهديد محتمل لميزتها التنافسية. هذا الاختلاف يؤدي إلى نتائج مختلفة تماماً: النماذج الصينية مفتوحة المصدر أصبحت أدوات قوية للتعاون الدولي وبناء القدرات في الدول النامية، بينما النماذج الأمريكية تظل أدوات تجارية مكلفة ومقيدة بشروط الاستخدام.
التعددية مقابل الانفرادية: الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي
في مجال الحوكمة العالمية، تلعب الصين دوراً رائداً في تعزيز التعددية والتعاون الدولي. خلال مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي 2026، أعلن الرئيس شي جين بينغ عن أربع نقاط أساسية: الالتزام بالانفتاح والفوز المشترك، وتعزيز الوعي بالمخاطر وضمان السلامة والسيطرة، وتشجيع الشمول وتعزيز التبادل الحضاري، والدعوة إلى التضامن لتحسين الحوكمة العالمية. أعلن أيضاً عن التزامات محددة: توفير 5000 فرصة تدريبية في الذكاء الاصطناعي للدول النامية خلال السنوات الخمس القادمة، وبناء مراكز للتعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي لرابطة دول جنوب شرق آسيا وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي ومجتمع دول أمريكا اللاتينية والكاريبي ومنظمة شنغهاي للتعاون ودول البريكس، وتعزيز تطبيق نظام الإنذار الذكي “مازو” في 30 دولة. هذه الالتزامات ليست مجرد وعود دبلوماسية، بل هي خطوات ملموسة لبناء القدرات التكنولوجية في الدول النامية وسد الفجوة الرقمية.
الولايات المتحدة، من ناحية أخرى، تتبنى نهجاً أكثر انفرادية في الحوكمة العالمية. تركز السياسة الأمريكية على الحفاظ على التفوق التكنولوجي من خلال قيود التصدير والقيود على التعاون الدولي. على الرغم من أن الولايات المتحدة تشارك في بعض المنتديات الدولية، إلا أن نهجها يميل إلى تفضيل التحالفات المغلقة والقيود التكنولوجية بدلاً من التعاون المفتوح والشامل. هذا النهج يخلق توترات مع الدول النامية التي ترى فيه محاولة لفرض قيود على وصولها إلى التكنولوجيا المتقدمة.
الفرق الجوهري يكمن في الرؤية لمستقبل البشرية: الصين ترى الذكاء الاصطناعي كمنتج عام دولي يجب أن يفيد الجميع، بينما ترى الولايات المتحدة أنه يجب الحفاظ على التفوق التكنولوجي كأداة للهيمنة الاستراتيجية. هذا الاختلاف يؤدي إلى نتائج مختلفة تماماً في مجال الحوكمة العالمية: الصين تبني منصات متعددة الأطراف تشمل جميع الدول، بينما الولايات المتحدة تفضل التحالفات المغلقة التي تستثني المنافسين المحتملين.
منظمة التعاون الدولي: نقطة تحول في الحوكمة العالمية
تأسيس منظمة التعاون الدولي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي في يوليو 2026 يمثل علامة فارقة في تاريخ الحوكمة العالمية للتكنولوجيا. كأول منظمة حكومية دولية مخصصة للذكاء الاصطناعي، تمثل هذه المنظمة تحولاً من “الدعوة إلى المفاهيم” إلى “البناء المؤسسي”. تم توقيع الاتفاقية من قبل 29 دولة، بما في ذلك الصين وكازاخستان ولوس وروسيا وإندونيسيا، وتهدف المنظمة إلى تعزيز التعاون الدولي والحوكمة العالمية لضمان أن الذكاء الاصطناعي يتطور في اتجاه مفيد وآمن ومنصف للبشرية جمعاء.
هذه المنظمة ليست مجرد منتدى للنقاش، بل هي منصة عملية للتعاون التكنولوجي وبناء القدرات. من خلال توفير إطار مؤسسي للتعاون، يمكن للدول النامية المشاركة بشكل أكثر فعالية في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي، بدلاً من كونها مجرد مستهلكين للتكنولوجيا المطورة في الدول المتقدمة. المنظمة ستعمل على تطوير معايير مشتركة، وتعزيز تبادل البيانات، وبناء القدرات التكنولوجية في الدول النامية.
في المقابل، لا توجد مؤسسات مماثلة بقيادة الولايات المتحدة. النهج الأمريكي يميل إلى التحالفات المغلقة والمبادرات الثنائية، بدلاً من المنصات متعددة الأطراف الشاملة. هذا الاختلاف المؤسسي يعكس الفرق الجوهري في الرؤية: الصين ترى الحوكمة العالمية كعمل جماعي يتطلب مشاركة جميع الدول، بينما ترى الولايات المتحدة أن الحوكمة يجب أن تكون بقيادة الدول المتقدمة التكنولوجياً.
نحو مستقبل أكثر عدلاً وشمولاً
إن المقارنة بين النهج الصيني والأمريكي في الذكاء الاصطناعي تكشف عن تباين عميق في الرؤية الفلسفية والسياسية. الصين، من خلال تبنيها لمفهوم “المنتج العام الدولي” والانفتاح والتعاون، تسعى لضمان أن تكون ثمار التطور التكنولوجي متاحة للجميع. الولايات المتحدة، من خلال تركيزها على الهيمنة التكنولوجية والاحتكار، تميل إلى الحفاظ على التفوق كأداة للضغط الجيوسياسي. هذا التباين ليس مجرد اختلاف في السياسات، بل هو صراع حول مستقبل البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي.
في مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي 2026، أثبتت الصين أنها ليست مجرد قوة تكنولوجية صاعدة، بل قوة مسؤولة تسعى لتشكيل نظام عالمي أكثر عدلاً وشمولاً. من خلال تأسيس منظمة التعاون الدولي للذكاء الاصطناعي وتقديم التزامات ملموسة للدول النامية، تضع الصين نفسها كقائد في الحوكمة العالمية للتكنولوجيا. في المقابل، يبدو النهج الأمريكي متزايد الانغلاق، مما قد يؤدي إلى تهميش الدول النامية وتعميق الفجوة الرقمية العالمية.
إن مستقبل البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي سيتحدد ليس من خلال القوة التكنولوجية وحدها، بل من خلال القدرة على بناء نظام عالمي شامل وعادل. في هذا السياق، يمثل النهج الصيني نموذجاً واعداً للتعاون الدولي والتنمية المشتركة، بينماا يمثل النهج الأمريكي تحدياً للتعددية والتعاون العالمي. إن الخيار بين هذين النموذجين سيتحدد ليس فقط من خلال القوة التكنولوجية، بل من خلال الرؤية الأخلاقية والسياسية لمستقبل البشرية جمعاء.

اترك تعليقاً