بقلم/ سحر مهني
في تاريخ الأمم والشعوب، هناك شخصيات تختزل في سيرتها الذاتية تحولات كبرى، وتتحول حيواتهن من رغد القصور إلى مرارة المنفى. ومن بين هذه الشخصيات تبرز السلطانة أمينة نازك إدا، المرأة التي وُصفت بأنها “آخر سلطانة عثمانية” (زوجة سلطان) في تاريخ الخلافة العثمانية الممتد لقرون، والتي جمعت في حياتها بين قمم المجد الملكي وهدوء المنافي في قاهرة المعز.
من جبال القوقاز إلى قلب الأستانة
لم تكن بداية حياة السلطانة أمينة عادية؛ فقد وُلدت في إقليم أبخازيا لعائلة أبخازية مسلمة عريقة. قذفت بها أمواج الحرب الروسية-العثمانية للهجرة رفقة أسرتها من القوقاز إلى إسطنبول، لتستقر في عاصمة الخلافة. وهناك، فتحت لها الأقدار أبواباً لم تكن في الحسبان.
في عام 1885م، تزوجت أمينة من الأمير محمد وحيد الدين (الذي أصبح لاحقاً السلطان محمد السادس). عاش الزوجان بداية حياتهما في قصر “أورتاكوي” الشهير المطل على مضيق البوسفور، ورُزقا بالسلطانة فاطمة والسلطانة رقية. ومع اشتعال الأحداث السياسية وتولي زوجها العرش العثماني عام 1918م كآخر سلاطين الدولة، انتقلت العائلة للعيش في قصر “دولما بهجة” الإمبراطوري، لتبدأ أمينة فصلها الأخير كالسيدة الأولى للدولة العثمانية.
ثقافة ملكية في زمن الاضطراب
لم تكن السلطانة أمينة مجرد زوجة حاكم، بل كانت سيدة ذات حضور وثقافة رفيعة؛ حيث أتقنت اللغة التركية العثمانية، وبرعت في اللغة العربية، بالإضافة إلى إلمامها الواسع باللغة الفرنسية، مما جعلها مواكبة للثقافة الأوروبية والشرقية على حد سواء في زمن كانت تشهد فيه المنطقة مخاضاً سياسياً كبيراً.
عاصفة النفي ومرارة الفراق
عاشت السلطانة أمينة اللحظات الحرجة والأخيرة لسقوط الإمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى. ومع صدور قرار نفي آل عثمان وتأسيس الجمهورية التركية، أُجبرت السلطانة على مغادرة إسطنبول، المدينة التي شهدت مجدها.
تنقلت السلطانة في منافٍ متعددة، وعقب وفاة زوجها السلطان محمد السادس، انتقلت رفقة بناتها إلى فرنسا تماشياً مع شروط النفي الصارمة التي فُرضت على العائلة الملكية.
المحطة الأخيرة: هدوء المعادي ومثوى العباسية
في عام 1929م، يممت السلطانة وجهها شطر مصر، واختارت العاصمة القاهرة لتكون مستقرها الأخير. استقرت في حي المعادي الهادئ، بعيداً عن صخب السياسة وأضواء القصور الاستعراضية، حيث عاشت سنواتها الأخيرة في سكينة ووقار، محتفظة بذكريات زمن مضى ولن يعود.
وفي الرابع من أبريل عام 1941م، أغمضت “آخر السلطانات” عينيها للمرة الأخيرة، لتُطوى بوفاتها صفحة فريدة من التاريخ. ودُفنت السلطانة أمينة في مقبرة العباسية بالقاهرة، تاركةً خلفها إرثاً من الصمود والكرامة، ولتبقى دائماً رمزاً حياً من رموز الزمن العثماني الجميل.

اترك تعليقاً