لغة ما قبل الحرف.. كيف صاغ الفن التشكيلي وجدان البشرية في العصور القديمة؟

بقلم سحر مهني

قبل أن يتعلم الإنسان الكتابة، وقبل أن يضع القوانين والدساتير، استعان بـ “الريشة والإزميل” ليعلن عن وجوده. الفن التشكيلي في العصور القديمة لم يكن مجرد وسيلة للزينة، بل كان “اللغة الرسمية” التي وثقت العقائد، الانتصارات، والمخاوف البشرية، محولاً الصخور الصماء إلى سجلات حية تنطق بالتاريخ.

الفن كأداة للبقاء: من الكهوف إلى المعابد

في العصور الحجرية، لم يكن الرسم على جدران الكهوف (مثل كهف لاسكو) ترفاً، بل كان طقساً سحرياً وتشكيلياً يهدف للسيطرة على الطبيعة وتوثيق رحلات الصيد. ومع تطور العصور وصولاً للحضارات الكبرى، تحول الفن التشكيلي إلى أداة سياسية ودينية قوية:

في مصر القديمة: كان الفن التشكيلي هو “بوابة الخلود”. النحت البارز والرسوم الملونة داخل المقابر لم تكن للعرض، بل كانت لخدمة الروح في العالم الآخر، حيث تميزت بالنسب المثالية التي تعكس نظام الكون (الماعت).

في بلاد الرافدين: تجلى الفن في “أسود بابل” والجداريات التي تمجد القوة العسكرية والارتباط بالآلهة، مما عكس مجتمعاً قوياً ومنظماً.

في الحضارة الإغريقية: انتقل الفن التشكيلي لمرحلة “أنسنة الآلهة”، حيث ركز النحت على جمال الجسد البشري وتفاصيله الدقيقة، مما وضع حجر الأساس لمعايير الجمال الغربي لقرون طويلة.

التأثير الثقافي والاجتماعي

لم يكن الفنان القديم مجرد حرفي، بل كان “مهندس الوعي الجماعي”. ويمكن تلخيص تأثير الفن التشكيلي في تلك العصور في النقاط التالية:

توثيق الهوية: لولا التماثيل والرسوم الجدارية، لما عرفنا كيف كان يلبس القدماء، أو كيف كانت ملامح ملوكهم (مثل رأس نفرتيتي أو تماثيل الأباطرة الرومان).

التواصل العابر للحدود: كان الفن لغة عالمية؛ فالتجارة بين الحضارات نقلت الأساليب التشكيلية، فنرى تأثيراً إغريقياً في الفن البوذي، وتأثيراً مصرياً في الفنون الفينيقية.

ترسيخ السلطة: استخدم الملوك الفن كأداة “بروباغندا” قديمة، فالتماثيل الضخمة في الميادين كانت تهدف لبث الهيبة والرهبة في نفوس الشعوب والزوار.

الفن التشكيلي.. المعلم الأول

إن دراسة الفن في العصور القديمة تكشف لنا أن “التشكيل” كان يسبق “التفكير الفلسفي” أحياناً. فمن خلال الطين، الحجر، والألوان المستخلصة من الطبيعة، استطاع الإنسان القديم أن يبني نظاماً بصرياً مكنه من فهم مكانه في الكون.

“إن الفن في العصور القديمة لم يكن يحاكي الواقع فحسب، بل كان يصنع الواقع ويمنحه صفة الخلود

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *