د. نادر الصيرفي المحامي: مشروع الأسرة المسيحية يغلق باب تغيير الملة… فهل أغلق معه باب الأمل؟

 

 

 

كتبت هدى العيسوى

منذ الخلاصة القانونية للإيغومانوس فيلوثاؤس عوض، مرورًا بعصر البابا كيرلس الرابع أبو الإصلاح، وحتى صدور لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس سنة 1938، لم تكن هناك أزمة حقيقية بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة؛ إذ كانت الكنيسة تمارس دورها التشريعي والقضائي داخل إطار الأحوال الشخصية للمسيحيين.

 

 

وجاءت لائحة 1938 مستمدة في جوهرها من ذات التراث الكنسي والقانوني، فاستمر النظام دون صدام جوهري بين الدين والقانون.

 

 

إلا أن المشهد تغير جذريًا بعد صدور القانون رقم 462 لسنة 1955، الذي ألغى المحاكم الملية ونقل الاختصاص إلى القضاء الوطني، لتصبح الكنيسة – قانونًا – غير مختصة بالتشريع أو القضاء، بينما بقي دورها روحيًا ودينيًا.

 

 

ثم صدر القرار الكنسي رقم 7 لسنة 1971، الذي قصر الطلاق الكنسي على علة الزنا. وبالرغم من أهميته الدينية، فإنه ظل قرارًا داخليًا لا يقيد المشرع ولا القضاء المدني. ومن هنا بدأت أزمة الزواج الثاني، حيث أصبح الحكم القضائي بالطلاق لا يؤدي بالضرورة إلى الحصول على تصريح بالزواج الثاني.

 

 

وفي عام 2008 تفاقمت الأزمة عندما تم تعديل لائحة 1938 بصورة أدت عمليًا إلى إغلاق معظم أسباب الطلاق المعروفة تاريخيًا، وأصبح تغيير الملة أو الدين هو المخرج العملي الوحيد لكثير من الحالات المستعصية، وهو ما أفرز إشكاليات قانونية واجتماعية واسعة.

 

 

واليوم يأتي مشروع قانون الأسرة المسيحية الجديد ليغلق باب تغيير الملة كوسيلة للخروج من العلاقة الزوجية، ويطرح بديلًا جديدًا هو “الطلاق المدني” أو “الانحلال المدني”.

 

 

غير أن السؤال الجوهري يبقى مطروحًا:

ماذا يحدث إذا رُفضت دعوى الطلاق المدني؟

الإجابة واضحة: لا طلاق ولا زواج جديد.

وماذا يحدث إذا قُبلت الدعوى وصدر حكم بالانحلال المدني؟

 

 

هنا تبدأ الإشكالية الأكبر.

فالمشروع لم يتضمن نصوصًا واضحة تنظم التصريح بالزواج الثاني بعد الانحلال المدني، كما أن الكنيسة أعلنت تمسكها بأن الطلاق الديني لا يكون إلا لعلة الزنا.

 

 

وبالتالي قد يجد الشخص نفسه حاصلًا على حكم قضائي بإنهاء العلاقة الزوجية، لكنه عاجز عن الحصول على تصريح بالزواج الثاني.

 

 

كما أن المشروع يمنع الطرف المتسبب في الزنا من الزواج مجددًا، بينما يثير الانحلال المدني إشكالية أخرى؛ إذ إن الحكم المدني لا ينسب الزنا إلى أحد الزوجين، وإنما يقرر انتهاء الرابطة الزوجية لأسباب مدنية.

 

 

فكيف يمكن بعد صدور الحكم تحديد الطرف الزاني؟

وكيف يمكن فتح تحقيق كنسي جديد حول وقائع يفترض أن حجية الحكم القضائي قد حسمتها؟

 

 

ثم إن المشروع يمنح مهلة ستة أشهر لطلب التصريح بعد الحكم، بينما تكون صفة الزوجية قد زالت أصلًا، وانقضت معها الحقوق والواجبات الزوجية.

 

 

ومن ثم يثور التساؤل:

إذا استحال الحصول على تصريح بالزواج الثاني بعد الانحلال المدني، وإذا أُغلق باب تغيير الملة، فما هو الطريق المتبقي أمام من يريد إنهاء علاقة زوجية فاشلة والبدء في حياة جديدة؟

 

 

هنا تظهر نتيجة خطيرة قد لا يكون المشرع قد التفت إليها بالقدر الكافي.

فكلما ضاقت البدائل القانونية والدينية المشروعة، اتجه البعض إلى البحث عن مخارج أخرى خارج المنظومة ذاتها.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يسبق إصدار القانون ليس: كيف نمنع تغيير الملة؟

 

 

وإنما: هل وفر المشروع بديلًا عمليًا وعادلًا وقابلًا للتطبيق؟

لأن التشريع الناجح لا يُقاس بعدد الأبواب التي يغلقها، وإنما بعدد المشكلات التي ينجح في حلها.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *