ليست كل السِّيَر تُروى، فبعضها يُحتفى به لأنه يتحول إلى صفحةٍ مضيئةٍ في ذاكرة العلم، وإلى شاهدٍ على أن الرجال العظام لا تصنعهم المناصب، وإنما تصنعهم الرسالة التي يحملونها، والأثر الذي يتركونه في العقول والقلوب.
إن سيرة الدكتور عبدالله بن محمد الشيخ تُجسد رحلة عالمٍ آمن بأن العلم أمانة، وبأن الكلمة مسؤولية، وبأن حماية الفكر لا تقل شرفاً عن حماية الأوطان. فامتدت مسيرته من رحاب الحرمين الشريفين، حيث نهل من معين العلم الأصيل، إلى آفاق العالم، يحمل رسالة الإسلام في أنقى صورها، ويقدم نموذجاً للعالم الرباني الذي جمع بين رسوخ العقيدة، وسعة الثقافة، وعمق الرؤية، ورحابة الحوار.
لقد كانت خطواتكم، يا دكتور عبدالله، أشبه بقناديل تُضاء على دروب المعرفة؛ فلم يكن حضوركم في الجامعات، ولا في المؤسسات العلمية، ولا في ميادين الدعوة، ولا في ساحات الأمن الفكري، حضور موظف يؤدي واجباً، بل حضور صاحب رسالة يدرك أن بناء الإنسان هو أعظم مشاريع الحضارة، وأن معركة الوعي هي المعركة التي تُصان بها الأمم، وتُحفظ بها الأجيال.
وما أبهى أن يقترن العلم بالخلق، وأن تمتزج الفلسفة بالحكمة، وأن تتحد المعرفة بالفعل؛ فتغدو الإنجازات شواهد ناطقة لا تحتاج إلى من يعددها، لأن أثرها يتحدث عنها في الجامعات، وفي المؤسسات، وفي نفوس آلاف الطلاب، وفي الجاليات الإسلامية التي وجدت في جهودكم وطناً للهوية، ومنارةً للاعتدال، وجسراً للتعايش الإنساني الراقي.
إن الرجال الأفذاذ لا يُقاسون بطول أعمارهم، بل بامتداد آثارهم، ولا بعدد سنوات خدمتهم، بل بما يورثونه من علمٍ نافع، وفكرٍ راسخ، وقيمٍ باقية. وأنتم – بحق – من أولئك الذين إذا ذُكروا ذُكر معهم الوقار، وإذا ذُكر العلم حضرت هيبته، وإذا ذُكرت الرسالة استُحضرت سيرتهم.
حفظكم الله علماً من أعلام الفكر الإسلامي الوسطي، وأدام عليكم نعمة البصيرة قبل البصر، وبارك في قلمكم، وفكركم، ورسالتكم، وجعل ما قدمتموه في ميزان حسناتكم، فالأمم لا تخلد أسماء الرجال الذين عاشوا لأنفسهم، وإنما تحفظ بإجلال أسماء الذين عاشوا لأمتهم، وجعلوا من العلم رسالة، ومن الحكمة منهجاً، ومن خدمة الإنسان عبادةً يتقربون بها إلى الله.
د المستشار ياسر الخولي
نائب رئيس هيئة قضايا الدولة

اترك تعليقاً