تشهد ليبيا خلال عام 2026 ارتفاعًا متسارعًا في سعر الدولار، في ظاهرة اقتصادية تتجاوز مجرد تقلبات سوقية عابرة، لتعكس تفاعل عدة عوامل هيكلية ونقدية على حد سواء. يشير الخبراء إلى أن هذا الارتفاع ليس مجرد نتيجة لتغيرات السوق، بل هو انعكاس مباشر للسياسات النقدية لمصرف ليبيا المركزي، وغياب استراتيجية مالية متكاملة من قبل الحكومة. كما أن هذه التطورات تحمل انعكاسات واسعة على الاقتصاد الوطني، بما في ذلك التضخم وزيادة أسعار السلع، نظرًا لاعتماد البلاد الكبير على الاستيراد والاستهلاك الخارجي.
وفي هذا الإطار، أوضح المستشار والخبير الاستراتيجي في التنمية الاقتصادية، الدكتور خالد الكاديكي، أن ارتفاع سعر الدولار في السوق المحلية نتيجة لتفاعل ثلاثة عوامل رئيسية:
الضريبة على السعر الرسمي لدى مصرف ليبيا المركزي، والتي أدت إلى زيادة ملحوظة في سعر الدولار في السوق الموازية، مؤكدًا أن هذا العامل يعكس أثرًا مباشرًا للسياسة النقدية الحالية على العرض والطلب في السوق.
الإنفاق العام الكبير للدولة، ما ترتب عليه عجز مالي دفع الحكومة إلى بيع الدولار عبر بطاقات الأغراض والاعتمادات لتغطية جزء من نفقاتها، وهو ما زاد الضغط على سوق العملة الأجنبية.
غياب سياسة مالية واضحة من قبل الحكومة، حيث لم يتم وضع إطار متكامل لإدارة النفقات والإيرادات، مما جعل السياسة النقدية للمصرف المركزي العامل الأساسي في تحديد سعر الصرف، وهو ما ساهم في تقلباته المتصاعدة.
وأضاف الدكتور الكاديكي أن هذه العوامل مجتمعة أدت إلى ارتفاع متزايد في السوق السوداء، وما صاحبه من زيادة حادة في أسعار السلع والتضخم، لا سيما أن ليبيا تعتمد على الاستيراد والاستهلاك بنسب تفوق 90%، مما يجعل أي تغير في سعر الدولار له انعكاسات مباشرة وفورية على الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن معالجة الأزمة تتطلب تدخلات عاجلة وفعالة من المصرف المركزي والحكومة، تشمل فتح الاعتمادات، أو إلغاء الضريبة على سعر الدولار الرسمي، إلى جانب ضبط السياسة المالية من خلال زيادة تحصيل الضرائب والجمارك، لضبط سوق الصرف والحد من آثار التضخم على المواطنين.
وختم الدكتور الكاديكي تصريحه بالقول:
“إن إدارة سعر الصرف بشكل علمي ومتوازن خلال عام 2026 تعتبر المفتاح للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، ومنع ارتفاع الأسعار بشكل يفوق القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما يتطلب تنسيقًا بين السياسة النقدية والمالية لضمان استدامة الاقتصاد الوطني.”

اترك تعليقاً