إِنَّ الْحَيَاةَ فِي جَوْهَرِهَا لَيْسَتْ سِبَاقاً مَحْمُوماً نَحْوَ نِهَايَةٍ مَجْهُولَةٍ، بَلْ هِيَ رِحْلَةٌ تَقْتَضِي مِنَّا الْوُقُوفَ مَلِيّاً عِنْدَ مَحَطَّاتِهَا، وَالتَّدَبُّرَ فِي مَسَارَاتِهَا. وَمِنْ هُنَا تَبْرُزُ تِلْكَ الْحِكْمَةُ الْخَالِدَةُ الَّتِي تَنَاقَلَتْهَا الْأَجْيَالُ عَبْرَ الْعُصُورِ، وَصَاغَتْهَا التَّجَارِبُ الْإِنْسَانِيَّةُ فِي قَالَبٍ مِنْ ذَهَبٍ: “فِي التَّأَنِّي السَّلَامَةُ وَفِي الْعَجَلَةِ النَّدَامَةُ”. هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ نُرَدِّدُهَا فِي أَوْقَاتِ الْفَرَاغِ، بَلْ هِيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ، وَفَلْسَفَةٌ وُجُودِيَّةٌ، وَدِرْعٌ وَاقٍ مِنَ الْعَثَرَاتِ الَّتِي قَدْ تُودِي بِمُسْتَقْبَلِ الْفَرْدِ أَوْ كَيَانِ الْمُجْتَمَعِ.
نَحْنُ نَعِيشُ الْيَوْمَ فِي عَصْرٍ يَتَّسِمُ بِالسُّرْعَةِ الْفَائِقَةِ، حَيْثُ أَصْبَحَ كُلُّ شَيْءٍ يَمْضِي بِإِيقَاعٍ مُتَسَارِعٍ لَا يَرْحَمُ. التَّكْنُولُوجْيَا، الِاتِّصَالَاتُ، الْمُوَاصَلَاتُ، حَتَّى الْعَلَاقَاتُ الْإِنْسَانِيَّةُ بَاتَتْ تَخْضَعُ لِمِعْيَارِ “الْآنِيَّةِ”. وَفِي ظِلِّ هَذَا الضَّجِيجِ الْمُتَسَارِعِ، فَقَدَ الْكَثِيرُونَ قُدْرَتَهُمْ عَلَى “الْأَنَاةِ”، وَنَسُوا أَنَّ الْبِنَاءَ الرَّصِينَ لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى مَهَلٍ، وَأَنَّ الثِّمَارَ الَّتِي تَنْضَجُ قَبْلَ أَوَانِهَا غَالِبَاً مَا تَكُونُ مَرِيرَةَ الطَّعْمِ أَوْ فَاقِدَةً لِلْقِيمَةِ.
إِنَّ التَّأَنِّيَ، بِمَفْهُومِهِ الشَّامِلِ، يَعْنِي إِعْطَاءَ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِنَ الْوَقْتِ وَالتَّفْكِيرِ. هُوَ التَّرَوِّي فِي اتِّخَاذِ الْقَرَارِ، وَتَقْلِيبِ النَّظَرِ فِي الْعَوَاقِبِ، وَدِرَاسَةِ الِاحْتِمَالَاتِ بِعَقْلٍ رَاجِحٍ وَقَلْبٍ مُطْمَئِنٍ. أَمَّا الْعَجَلَةُ، فَهِيَ رَعُونَةٌ فِي الطَّبْعِ، وَاسْتِعْجَالٌ لِلنتَائِجِ قَبْلَ اكْتِمَالِ مُقَدِّمَاتِهَا، وَهِيَ غَالِبَاً مَا تَنْبُعُ مِنْ ضَعْفٍ فِي الْإِرَادَةِ أَوْ جَهْلٍ بِطَبِيعَةِ الْأُمُورِ.
لَوْ نَظَرْنَا إِلَى السَّاحَةِ الْيَوْمِيَّةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ غَالِبِيَّةَ الْمَشَاكِلِ الَّتِي نُوَاجِهُهَا، سَوَاءً كَانَتْ حَوَادِثَ سَيْرٍ مُرَوِّعَةً، أَوْ خِلَافَاتٍ عَسِيرَةً، أَوْ إِخْفَاقَاتٍ مِهْنِيَّةً، مَصْدَرُهَا الْأَوَّلُ هُوَ “الْعَجَلَةُ”. السَّائِقُ الَّذِي يَسْتَعْجِلُ الْوُصُولَ قَدْ لَا يَصِلُ أَبَداً، وَالْمُوَظَّفُ الَّذِي يَتَعَجَّلُ التَّرْقِيَةَ قَدْ يَرْتَكِبُ أَخْطَاءً فَنِّيَّةً قَاتِلَةً، وَالْمَسْؤُولُ الَّذِي يَتَّخِذُ قَرَاراً مَصِيرِيّاً تَحْتَ ضَغْطِ اللَّحْظَةِ دُونَ دِرَاسَةٍ وَافِيَةٍ قَدْ يَرَهَنُ مُسْتَقْبَلَ مُؤَسَّسَتِهِ لِعُقُودٍ.
إِنَّ التَّارِيخَ الْبَشَرِيَّ مَلِيءٌ بِالدُّرُوسِ الَّتِي تُعَزِّزُ قِيمَةَ التَّأَنِّي. لَقَدْ كَانَ الْحُكَمَاءُ وَالْقَادَةُ الْعِظَامُ يَقْضُونَ اللَّيَالِيَ فِي التَّفْكِيرِ قَبْلَ الْإِقْدَامِ عَلَى خُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَرَدُّداً أَوْ جُبْنَاً، بَلْ كَانَ “أَنَاةً” وَبُعْدَ نَظَرٍ. فَالشَّجَاعَةُ لَيْسَتْ فِي الِانْدِفَاعِ الْأَعْمَى، بَلْ فِي الْإِقْدَامِ الْمَحْسُوبِ الَّذِي يَسْبِقُهُ تَدَبُّرٌ عَمِيقٌ. وَفِي الْمُقَابِلِ، كَمْ مِنْ حَضَارَاتٍ انْدَثَرَتْ وَكَمْ مِنْ جُيُوشٍ هُزِمَتْ لِأَنَّ قَادَتَهَا غَلَبَتْهُمُ الْعَجَلَةُ وَاسْتَفَزَّهُمُ الِاسْتِعْجَالُ، فَوَقَعُوا فِي مَصَايِدِ الْخُصُومِ.
عَلَى الصَّعِيدِ النَّفْسِيِّ، يُعَدُّ التَّأَنِّي دَلِيلاً عَلَى النُّضْجِ الِانْفِعَالِيِّ. الشَّخْصُ الْمُتَأَنِّي هُوَ مَنْ يَمْلِكُ زِمَامَ نَفْسِهِ، وَلَا يَدَعُ رُدُودَ الْأَفْعَالِ اللَّحْظِيَّةِ تَتَحَكَّمُ فِيهِ. إِنَّهُ يَمْنَحُ عَقْلَهُ الْفُرْصَةَ لِيُعَالِجَ الْمَعْلُومَاتِ، وَيَزِنَ الْأُمُورَ بِمِيزَانِ الْمَنْطِقِ. بَيْنَمَا الْعَجُولُ هُوَ رَهِينَةٌ لِنَزَوَاتِهِ وَتَوَتُّرِهِ، مِمَّا يَجْعَلُهُ عُرْضَةً لِلنَّدَمِ الْمُسْتَمِرِّ. وَمَا أَصْعَبَ النَّدَمَ حِينَ لَا يَنْفَعُ التَّدَارُكُ! إِنَّ “آهَةَ” النَّدَمِ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ هِيَ الضَّرِيبَةُ الْبَاهِظَةُ الَّتِي يَدْفَعُهَا كُلُّ مَنْ نَبَذَ التَّأَنِّيَ وَاسْتَعَانَ بِالْعَجَلَةِ.
وَلَوْ تَأَمَّلْنَا فِي الطَّبِيعَةِ مِنْ حَوْلِنَا، لَوَجَدْنَا أَنَّ كُلَّ خَلْقِ اللهِ قَائِمٌ عَلَى التَّدَرُّجِ وَالْأَنَاةِ. الشَّجَرَةُ لَا تَنْبُتُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَالْجَنِينُ لَا يَكْتَمِلُ خَلْقُهُ فِي لَحْظَةٍ، وَاللَّيْلُ لَا يَنْجَلِي بَغْتَةً بَلْ يَتَسَلَّلُ الْفَجْرُ رُوَيْداً رُوَيْداً. هَذِهِ النَّوَامِيسُ الْكَوْنِيَّةُ تُرْسِلُ لَنَا رِسَالَةً جَلِيَّةً: أَنَّ الْإِتْقَانَ مُرْتَبِطٌ بِالزَّمَنِ، وَأَنَّ الصَّبْرَ هُوَ مِفْتَاحُ الْكَمَالِ.
إِنَّ الِاسْتِعْجَالَ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، مَثَلًا، يَقُودُ الْبَعْضَ إِلَى سُلُوكِ طُرُقٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ، فَيَخْسَرُونَ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ. وَالِاسْتِعْجَالَ فِي الْحُكْمِ عَلَى النَّاسِ يُورِثُ الْبَغْضَاءَ وَيَقْطَعُ أَرْحَامَ الْمَوَدَّةِ. كَمْ مِنْ صَدَاقَةٍ دَامَتْ سَنَوَاتٍ انْتَهَتْ فِي لَحْظَةِ غَضَبٍ وَعَجَلَةٍ فِي رَدِّ الْفِعْلِ! وَكَمْ مِنْ بَيْتٍ تَهَدَّمَتْ أَرْكَانُهُ لِأَنَّ كَلِمَةً خَرَجَتْ فِي سَاعَةِ حُمْقٍ وَاسْتِعْجَالٍ لَمْ يُحْسَبْ لَهَا حِسَابٌ!
فِي مَجَالِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، نَجِدُ أَنَّ التَّأَنِّيَ هُوَ سِرُّ النُّبُوغِ. الْبَاحِثُ الَّذِي يَتَفَحَّصُ الْمَصَادِرَ بِدِقَّةٍ، وَيُجْرِي التَّجَارِبَ مِرَاراً وَتِكْرَاراً، وَلَا يَتَعَجَّلُ نَشْرَ النَّتَائِجِ، هُوَ مَنْ يُقَدِّمُ لِلْبَشَرِيَّةِ كَشْفاً عِلْمِيّاً حَقِيقِيّاً. أَمَّا طَالِبُ الشُّهْرَةِ الْعَجُولُ، فَقَدْ يَنْشُرُ أَوْهَاماً سُرْعَانَ مَا تَنْكَشِفُ، فَيَسْقُطُ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وَتَضِيعُ مِصْدَاقِيَّتُهُ.
وَمِنَ النَّوَاحِي الِاجْتِمَاعِيَّةِ، يَجِبُ أَنْ نُعِيدَ لِلتَّأَنِّي هَيْبَتَهُ فِي تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ. نَحْنُ نُرِيدُ مِنْ أَطْفَالِنَا أَنْ يَتَعَلَّمُوا كُلَّ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ، وَأَنْ يَنْضَجُوا قَبْلَ أَوَانِهِمْ، وَهَذَا ضَغْطٌ نَفْسِيٌّ كَبِيرٌ يُفْقِدُهُمْ جَمَالَ الطُّفُولَةِ وَرَصَانَةَ التَّعَلُّمِ. التَّرْبِيَةُ عَمَلِيَّةٌ بَطِيئَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ طَوِيلٍ، وَإِلَى نَفَسٍ عَمِيقٍ، وَإِلَى قُدْرَةٍ عَلَى الِاحْتِوَاءِ دُونَ تَعَجُّلِ التَّغْيِيرِ السَّلُوكِيِّ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا.
أَيُّهَا الْقُرَّاءُ الْأَعِزَّاءُ، إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى التَّأَنِّي لَيْسَتْ دَعْوَةً لِلْكَسَلِ أَوِ التَّرَاخي، بَلْ هِيَ دَعْوَةٌ لِلْجَوْدَةِ. الْفَرْقُ بَيْنَ السَّرِيعِ وَالْعَجُولِ شَاسِعٌ؛ فَالسَّرِيعُ هُوَ مَنْ يُنْجِزُ عَمَلَهُ بِكِفَاءَةٍ وَفِي وَقْتٍ قِيَاسِيٍّ لِأَنَّهُ مَاهِرٌ، أَمَّا الْعَجُولُ فَهُوَ مَنْ يَقْفِزُ فَوْقَ الْمَرَاحِلِ لِيَصِلَ إِلَى النِّهَايَةِ كَيْفَمَا اتَّفَقَ. السَّرِيعُ يَحْتَرِمُ الزَّمَنَ، وَالْعَجُولُ يَهْدِرُ الْقِيمَةَ.
وَلَعَلَّ أَخْطَرَ أَنْوَاعِ الْعَجَلَةِ هِيَ تِلْكَ الَّتِي تَمَسُّ عَقِيدَةَ الْإِنْسَانِ وَمَبَادِئَهُ. التَّسَرُّعُ فِي تَبَنِّي الْأَفْكَارِ دُونَ تَمْحِيصٍ، وَالِانْجِرَافُ وَرَاءَ الشَّاعِئَاتِ دُونَ تَثَبُّتٍ، هُوَ الْبَلَاءُ الَّذِي يَعْصِفُ بِالْمُجْتَمَعَاتِ فِي عَصْرِ “مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ”. إِنَّ نَقْرَةً وَاحِدَةً عَلَى لَوْحَةِ الْمَفَاتِيحِ قَدْ تَنْشُرُ فِتْنَةً، أَوْ تُشَوِّهُ سُمْعَةً، أَوْ تُثِيرُ بَلْبَلَةً، وَكُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ “عَجَلَةٍ” فِي النَّقْلِ وَغِيَابِ “التَّأَنِّي” فِي التَّحَقُّقِ.
لَقَدْ قَالَ الْعَرَبُ قَدِيماً: “الْعَجَلَةُ أُمُّ النَّدَامَةِ”. وَهِيَ أُمٌّ وَلُودٌ، تَلِدُ الْخَيْبَةَ، وَتَلِدُ الْخَسَارَةَ، وَتَلِدُ الضَّغِينَةَ. بَيْنَمَا التَّأَنِّي هُوَ أَبُو السَّلَامَةِ، الَّذِي يَرْعَى خُطُوَاتِ الْإِنْسَانِ، وَيَحْمِيهِ مِنْ مَزَالِقِ الطَّرِيقِ. إِنَّ الْعَجَلَةَ تَعْمِي الْبَصِيرَةَ، وَتَجْعَلُ الْمَرْءَ يَرَى نِصْفَ الْحَقِيقَةِ، أَمَّا التَّأَنِّي فَيَمْنَحُهُ الرُّؤْيَةَ الشَّامِلَةَ وَالْبَصِيرَةَ النَّافِذَةَ.
فِي مَيْدَانِ الِاقْتِصَادِ وَالْمَالِ، نَرَى الْكَثِيرِينَ يَسْقُطُونَ فِي فِخَاخِ الْكَسْبِ السَّرِيعِ، فَيُغَامِرُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَمُدَّخَرَاتِهِمْ فِي مَشَارِيعَ وَهْمِيَّةٍ لَمْ تُدْرَسْ بِعِنَايَةٍ، وَتَكُونُ النَّتِيجَةُ ضَيَاعَ كُلِّ شَيْءٍ. لَوْ تَمَهَّلُوا، وَاسْتَشَارُوا، وَتَأَنَّوْا فِي دِرَاسَةِ الْجَدْوَى، لَجَنَّبُوا أَنْفُسَهُمْ وَعَائِلَاتِهِمْ مَرَارَةَ الْفَقْرِ وَالدَّيْنِ. إِنَّ الِاسْتِثْمَارَ الْحَقِيقِيَّ يَحْتَاجُ إِلَى نَفَسٍ طَوِيلٍ، وَإِلَى بِنَاءٍ تَدْرِيجِيٍّ، تَمَاماً كَالزَّرْعِ الَّذِي يُسْقَى يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ لِيُثْمِرَ فِي النِّهَايَةِ.
كَمَا أَنَّ لِلتَّأَنِّي بُعْداً رُوحِيّاً عَمِيقاً. فِي الصَّلَاةِ، التَّأَنِّي وَالطُّمَأْنِينَةُ هُمَا رُوحُ الْعِبَادَةِ، وَبِدُونِهِمَا تُصْبِحُ الصَّلَاةُ مُجَرَّدَ حَرَكَاتٍ جَسَدِيَّةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الْمَعْنَى. وَفِي الدُّعَاءِ، يُعَلِّمُنَا الدِّينُ أَنْ لَا نَسْتَعْجِلَ الْإِجَابَةَ، فَاللهُ يَعْلَمُ الْوَقْتَ الْمُنَاسِبَ لِكُلِّ شَيْءٍ. هَذَا التَّأَنِّي الْإِيمَانِيُّ يَغْرِسُ فِي النَّفْسِ الرِّضَا وَالصَّبْرَ، وَيَجْعَلُ الْإِنْسَانَ مُتَصَالِحاً مَعَ الْقَدَرِ، لَا يَجْزَعُ مِنَ التَّأْخِيرِ، وَلَا يَبْطَرُ عِنْدَ التَّعْجِيلِ.
إِنَّنَا بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ الْيَوْمَ إِلَى “ثَوْرَةٍ هَادِئَةٍ” ضِدَّ الِاسْتِعْجَالِ. ثَوْرَةٌ تَبْدَأُ مِنْ أَنْفُسِنَا، فَنُدَرِّبُهَا عَلَى التَّمَهُّلِ فِي الْكَلَامِ، وَالتَّمَهُّلِ فِي الْحُكْمِ، وَالتَّمَهُّلِ فِي الِانْفِعَالِ. لِنَجْعَلْ مِنْ “التَّأَنِّي” ثَقَافَةً مُجْتَمَعِيَّةً، نُكَرِّمُ فِيهَا صَاحِبَ الرَّأْيِ الرَّزِينِ، وَنُقَدِّرُ الْعَمَلَ الْمُتْقَنَ حَتَّى لَوْ اسْتَغْرَقَ زَمَنَاً أَطْوَلَ. لِنُعَلِّمْ أَبْنَاءَنَا أَنَّ الْوُصُولَ الْمُتَأَخِّرَ مَعَ السَّلَامَةِ خَيْرٌ مِنْ عَدَمِ الْوُصُولِ أَبَداً بِسَبَبِ الْعَجَلَةِ.
إِنَّ الْخُطُورَةَ تَكْمُنُ فِي أَنَّ الْعَجَلَةَ تُصْبِحُ عَادَةً، وَالْعَادَةُ تَتَحَوَّلُ إِلَى طَبْعٍ، وَالطَّبْعُ يُشَكِّلُ الْمَصِيرَ. عِنْدَمَا نَتَعَوَّدُ الِاسْتِعْجَالَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، نَفْقِدُ لَذَّةَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالتَّفَاصِيلِ. نَقْرَأُ الْكُتُبَ بِسُرْعَةٍ فَلَا نَفْهَمُ مَقَاصِدَهَا، وَنَمْشِي فِي الطَّرِيقِ بِسُرْعَةٍ فَلَا نَرَى جَمَالَ الطَّبِيعَةِ، وَنَتَحَدَّثُ مَعَ أَحِبَّائِنَا بِسُرْعَةٍ فَلَا نَشْعُرُ بِدِفْءِ مَشَاعِرِهِمْ. لَقَدْ حَوَّلَتْنَا الْعَجَلَةُ إِلَى آلاتٍ تَتَسَابَقُ مَعَ الزَّمَنِ، وَنَسِينَا أَنَّنَا بَشَرٌ نَحْتَاجُ إِلَى اللَّحْظَاتِ الْهَادِئَةِ لِنُعِيدَ تَرْتِيبَ أَرْوَاحِنَا.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ السَّلَامَةَ الَّتِي يَنْشُدُهَا التَّأَنِّي لَيْسَتْ فَقَطْ سَلَامَةَ الْجَسَدِ مِنَ الْحَوَادِثِ، بَلْ هِيَ سَلَامَةُ الْفِكْرِ مِنَ الضَّلَالِ، وَسَلَامَةُ الْقَلْبِ مِنَ الْحِقْدِ، وَسَلَامَةُ اللِّسَانِ مِنَ الزَّلَلِ، وَسَلَامَةُ الْمُجْتَمَعِ مِنَ التَّفَكُّكِ. إِنَّهَا سَلَامَةٌ شَامِلَةٌ تَجْعَلُ الْحَيَاةَ أَكْثَرَ تَرَازُنَاً وَأَجْمَلَ رَوْنَقاً.
فِي الْخِتَامِ، لِنَتَذَكَّرْ دَائِمَاً أَنَّ الْعُمْرَ لَيْسَ بِعَدَدِ السَّنَوَاتِ الَّتِي نَقْضِيهَا رَكْضاً، بَلْ بِكَيْفِيَّةِ عَيْشِنَا لِهَذِهِ السَّنَوَاتِ. إِنَّ اللَّحْظَةَ الَّتِي نَقْضِيهَا فِي تَأَنٍّ وَتَفَكُّرٍ تَعْدِلُ أَعْوَاماً مِنَ الِانْدِفَاعِ الْأَعْمَى. فَلْنَتَمَهَّلْ فِي خُطُوَاتِنَا، وَلْنَتَرَّيْ فِي قَرَارَاتِنَا، وَلْنَجْعَلِ “الْأَنَاةَ” رَفِيقَةَ دَرْبِنَا، فَمَا كَانَ التَّأَنِّي فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَمَا كَانَتِ الْعَجَلَةُ فِي شَيْءٍ إِلَّا شَانَتْهُ. لِنَزْرَعِ الْيَوْمَ بذورَ الصَّبْرِ لِنَحْصَدَ غَداً ثِمَارَ السَّلَامَةِ، وَلْنَبْتَعِدْ عَنْ مَهَالِكِ الِاسْتِعْجَالِ كَي لَا نَتَجَرَّعَ غُصَصَ النَّدَامَةِ الَّتِي لَا تَمُوتُ. إِنَّ الْحَيَاةَ أَمَانَةٌ، وَالتَّأَنِّي هُوَ طَرِيقُ الْحِفَاظِ عَلَى هَذِهِ الْأَمَانَةِ، فَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْحِلْمِ وَالرَّزَانَةِ، تَسْلَمُوا وَتَغْنَمُوا فِي الدَّارَيْنِ.

اترك تعليقاً